فياض.. الدولة إذ تعني الحكم الذاتي

نشر 03 سبتمبر 2009 | 10:33

بقلم: صالح النعامي

 

من البلية ما يضحك؛ فرئيس حكومة رام الله سلام فياض أعلن أنه تجري حاليًا الاستعدادات لإعلان الدولة الفلسطينية في غضون عامين، مؤكدًا أنه يعكف حاليًا على بناء مؤسسات هذه الدولة التي ستعمل على 'بناء اقتصاد مستقل، من خلال ترجمة الرؤى الواردة في وثيقة الاستقلال الفلسطيني إلى سياسات وبرامج وخطط عملية'. ولكي يضفي مُسحة تحدي على مشروعه الوهمي، زعم فياض أن إقامة الدولة ستكون بمثابة 'اختبار جدارة' للفلسطينيين ليثبتوا من خلاله قدرتهم على الحكم وبناء المؤسسات، على أساس أن النجاح في هذا الامتحان سيُحدث الاختراق في الوعي الدولي والوعي الإسرائيلي.

 

ويحتار المرء في توصيف إعلان فياض الذي يأتي في ظل تراكم المؤشرات التي تدلل على أن إسرائيل لم تكن يومًا أبعد من الاستعداد للوفاء بمتطلبات التوصل لتسوية عادلة للصراع كما عليه هي حاليًا. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد 'لاءات' إسرائيل الشهيرة المتمثلة في رفض حق العودة للاجئين ورفض الانسحاب إلى حدود العام 1967، والإصرار على اعتبار القدس 'الموحدة' عاصمة إسرائيل الأبدية، علاوةً على أنه لا يفوِّت فرصة دون التشديد على أنه من حق تل أبيب في أي تسوية سياسية مستقبلية الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية ومنطقة غور الأردن والمناطق التي تقع غرب جدار الفصل العنصري وقمم الجبال، والمناطق التي تشمل احتياطي المياه العذبة، أي أن إسرائيل لن تمنح الفلسطينيين في أي تسوية أكثر من 45% من مساحة الضفة الغربية. وإلى جانب ذلك فإن إسرائيل، مدعومة بالولايات المتحدة، تصرُّ على أن يكون أي كيان فلسطيني يُقام في الضفة الغربية عديم السيادة، بمعنى أن هذا الكيان سيكون منزوع السلاح وغير قادر على إقامة علاقات خارجية مع الدول المجاورة، فضلًا عن حرمان هذا الكيان من السيطرة على حدوده.

 

إن ما يخشى فياض الإقرار به هو حقيقة أن طرح خطة إعلان الدولة هو في الحقيقة نتاج تنسيق مسبق مع الإدارة الأمريكية وإسرائيل، لأن تأكيده على أن الدولة ستُنجز في غضون عامين يتطابق مع تصريحات الرئيس باراك أوباما الذي تعهَّد بالتوصل لتسوية سياسية للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين في غضون عامين. ويبدو رهان فياض على الدور الأمريكي في دعم مخططاته مثيرًا للشفقة؛ فعلى الرغم من مرور ستة أشهر على محاولة الإدارة الأمريكية ثَنْيَ إسرائيل عن مواصلة البناء في المستوطنات اليهودية، فإن أكثر ما أنجزته إدارة أوباما لا يتعدى اتفاقًا وشيكًا على وقف مؤقت للبناء في المستوطنات في الضفة الغربية لمدة ثلاثة أشهر، يستثنى منه الوحدات السكنية التي في طور البناء والتي يصل عددها 2500 وحدة سكنية، والمؤسسات العامة، في حين سلَّمت إدارة أوباما بحق إسرائيل في مواصلة البناء بالقدس بحرِّية مطلقة، على أن يتم مقايضة الوقف المؤقت للبناء في المستوطنات باستعداد الدول العربية تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وبأن تقود واشنطن تحركًا دوليًّا في مجلس الأمن يهدف إلى إقناع دول العالم بفرض عقوبات رادعة على إيران لوقف برنامجها النووي.

 

بكلمات أخرى، إذا عرفنا أن إسرائيل ستنجز خلال فترة الوقف المؤقت للبناء إقامة 2500 وحدة سكنية تسمح باستيعاب 18 ألف مستوطن جديد على الأقل، وفي غضون ثلاثة أشهر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كم سيكون عدد المستوطنين الذين سيتوجَّهون للاستقرار في الضفة الغربية بعد عامين؟، وهو الموعد الذي يحدده فياض لإعلان الدولة الفلسطينية. يدرك فياض أن الفلسطينيين لا يثقون به عندما يقدم فكرة الدولة على أنها تمثِّل تحديًا لإسرائيل. وكما قال فياض نفسه فإن هذه الدولة ستكون ملتزمة بما جاء في خطة 'خارطة الطريق'، التي تشدد على أن الالتزام الفلسطيني الأول يتمثل في مواصلة التنسيق الأمني مع إسرائيل وضرب حركات المقاومة الفلسطينية.

 

وعلى الرغم من أن فياض يحاول تضليل الفلسطينيين؛ من خلال عدم إفصاحه عن طابع الدولة التي يتحدث عنها، إلا أن كل الدلائل تؤكد أن هذه الدولة ستكون في حدود مؤقتة، وهو الاقتراح الذي سبق أن ادَّعى رئيس السلطة محمود عباس رفضه، مع أن الكثير من النخب السياسية في إسرائيل، وضمنها نخب تنتمي لحزب الليكودي اليميني الحاكم، تؤيد إقامة مثل هذه الدولة، على اعتبار أنها ترى في هذه الدولة مصلحة استراتيجية لإسرائيل.

 

وللأسف الشديد فإن مشروع فياض يمثل إحدى الصيغ الهادفة لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية؛ من خلال تقديم بديل عن تحرير الأرض بإيجاد صيغ تعيد الاعتبار لمشروع الحكم الذاتي الذي سبق أن رفضه الفلسطينيون، وممارسة التضليل من خلال تقديم شارات وشعارات الدولة.

 

إن مشروع فياض يأتي ضمن تحرُّك دولي وإقليمي لتصفية القضية الفلسطينية، ويهدِف لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية الفلسطينية، واعتبار أن معالجة الأوضاع المعيشية للفلسطينيين هدف يتقدم على التحرير. وحتى إذا افترضنا حسن النية بمخطط فياض، فإن هذا المخطط ينطوي على خلل بِنْيَوِيٍّ يكمن في محاولة الشروع في مهمة إقامة الدولة، وهي من مهام ما بعد الصراع، بينما الصراع لا يزال في ذروته.. الأمر الذي يعفي الاحتلال من مسؤولياته ويحمِّل الفلسطينيين المسؤولية مرتين: الأولى عن الفشل الذي جناه الفلسطينيون من وراء المفاوضات العبثية في السابق والثانية عن الفشل القادم في بناء دولة تحت الاحتلال.