بقلم: د. عطالله أبو السبح
اشتعل رأسك شيباَ، ولا يخفى على لمح عينيك احمرارهما لطول السهر، والإرهاق، تختلس لحظات لتنام، وسرعان ما يفر النوم من بين جفنيك المثقلتين، ولا أمل في رجوعه، ولا بأس فأنت القائد، وهذه ضريبة القيادة، والقائد القائد – يا أبا العبد- لا يتخلى عن نظرته السامية، حيال شعبه، وأمته، فضلاً عن حوارييه وأنصاره، وبهذا يستحق محبتهم وثقتهم، لن يكن القائد قائداً إن لم ينحز لشعبه، يحمل همومهم، يواسيهم، لا يتعالى عليهم.. هو منهم وهم عماده، وعلى نخبهم يتكئ، يعفو عن مسيئهم، ويوسع – في مجلسه- لعقولهم، يستمع إليهم أكثر مما يتكلم إليهم، يسترشد بحكمائهم، ويحتكم إلى رشدهم، نعم، هو القائد، يقسو أحياناً ليزدجر الخائضون، ولكن بعد صبر دونه صبر الرواحل.. ألقت أمريكا بثقلها وراء (أولمرت) رغم فساده، وانحلاله، وعبثه، وسفالاته، وأرخى أولمرت بثقله وراء شركه (دحلان، رشيد، عباس) وألقت الشركة بثقلها وراء هؤلاء الصبية الذين أمسوا بين عشية وعشية كوادر، وجعل كل واحد منهم من نفسه رصاصة، أو حاجزاً، أو هتافاً، تصيب الأولى أحد أنصارك في مقتل، ويمنع الثاني حركة الحياة أن تدور، وأما الثالث فيملأ الدنيا ضجيجاً وعجيجاً يطالبك بالغروب، أو الرحيل... أيام حوالك.. وليالٍ كالقطران... بما حتم عليك أن تلتقي عباساً، فتلمسته، فلم تجده، هاتفته، فلم يجب، أغلق مكتبه أبوابه، وبعد لأي فإذا (بعباس) هناك في رام الله، والدنيا كلها قد تحولت إلى لسان واحد، وأذن واحدة، خبر يتحدث به اللسان، وتسمعه الأذن، ولا مزيد ولا مجال للسان آخر يمكن أن يُسمع، اكتشفت أجهزة عباس مؤامراتك لاغتياله، فقد أعددت له نفقاً، وأما النفق فقد ملأته بالمتفجرات، والمتفجرات تنتظر منك الأمر، لتمزق جسد (عباس) كان للخبر وقعه، أحدث صدمة لاشك، وقطع خيوط الأمل - في نظر الكثير- أن يجري اللقاء، وإن جرى فقد ماتت النوايا الحسنة، وإن بقى منها بقية فقد يلزم لها وحي من السماء أن يشرح لها صدر عباس، وإن شرح عباس لها صدره فكيف ينشرح لها قلب شركه (كوندا ليفني) وقلب شركه (دحلان، رشيد، عباس)؟ ولقد عطَّل عباس جوارحه، فلا يفقه إلا بقلب الشركاء، ولا يسمع إلا بآذانها، ولا يبصر إلا بعيونها، رأت الدنيا نفقاً وفيه بعض أنصارك، وأشاحت بسمعها وبصرها وقلبها عن روايتك وحجتك، هذا نفق (قسامي) ما أعد إلا لصد عدوان يهود وعداواتهم، ولا من يسمع، ولا من يجيب... كذبة ؛ لو كان (جوبلز) حياً لما أعدّها كما أعدتها الشركتان، كم أنت ظالم أيها الكذب!! وكم تجر من ويلات!! وكم هو مجرم ذلك الكذوب!! النار توشك أن تأكل صحيفة مكة، وتوشك أن تصل إلى قلوب ال96 من كل مائة، ولا أظن أن الأربعة الباقين يتدفأون على صهدها، بل يشاركون في إخمادها إلا قليل منهم، وللخيانة ؛ كان هناك من يؤججها، ويغذيها بالحطب.. كانت هناك ترهات ياسر عبد ربه، وهذريات أقلام العبيد، التي تستمد (الحياة) من جيب الشركاء، وتسرق (الأيام) أمل (فلسطين) في سلام... وأنت لا تني عن التفنيد، ولا من سميع أو مجيب، لقد تمترس عباس بالرواية وأصبحت في صدره معتقداً، كم حرصت أن تعطي ضمانات لحياة عباس، ولكن الشركاء بضماناتك يجحدون، والعجيب أن عباس يبدي حرص الأم الرؤوم على ولدها (المريض) على لقاء أولمرت، و(تبويس) كوندا، وركوب الجو إلا أن يلقاك، رغم أن السلام معك هو المجد ، وهو أول الضرورات، وأما مع أولئك فهو العار!! فمعك يكون السلام وسام شرف، وأما معهم فإنه خزي وذل وجريمة، معك؛ فلأجل اللاجئ المحزون ، وللأسير المغيب، ولحبيبة السماء، وأما معهم ؛ فليزداد اللاجئ المحزون حزناً، والأسير يأساً، وحبيبة السماء سبياً وضياعاً، كيف تغيب هذه المعاني عن عباس؟ لم يعد الجواب خافياً أو صعباً، إنها لوائح الشركات وقيودها وشروطها الجزائية، إنه عربون الكاهن، ومهر البغي، وأجرة الأرض المنصوب عليها كرسي يحرص صاحبه أن يظل عليه ولو كان جسداً له خوار ، حتى وإن سقط اللواء، وغسلت (تسيفي) أقدامها في آبارنا وعيوننا، ثم يشرب بكؤوس مترعة منها ( الزعيم )!! كيف غابت؟ وأية قوة غيبت هذه المعاني السامية؟ كيف أنسلخ هذا وهؤلاء عنك؟ وأنت- والله –تحاول أن تكون معهم ، وبهم ؛ بنقاء الثوري ، الذي يتقن كيف ، ومتى يقول: لا، ولا يعرف لسانه إلا أن يقول: نعم لفلسطين؛ شعباً, وحقاً, وهوية.. كيف يقول : نعم لعودة اللاجئ المحزون إلى أرضه ، التي اقتلع منها على مدى الستين سنة وسنة, ولا محيد عن إطلاق الأسرى ، كل الأسرى ، وأما القدس فهي الآية, والقلب, والكرامة, والشرف, هي الوجود, وهي الأجيال, ومن يفرط بها فهو خوان... لا يمت لهذا الوطن بصلة أو نسب,كان يكفي لمن وجهت إليه الدعوة أن يلبي اختباراً, فإن ناقض قولك فعلك فله الخيار، وليمض لما دعوته إليه بغيرك لا لما دعته إليه شركات يهود . كان يكفي أن يعطيك (فرصة), وليهيئ لك أسباب النجاة مع النجاح, فإن نكصت أو فشلت أو هادنت أو داهنت فله أن يشمسك على أن يمضي إلى المجد دونك, ولكن أبى مشاكسوك إلا أن يركبوا متن الخصام, ويرموك به سهماً مسموماً, فوقفت وحدك.. أحجم أهل الكلام عن الكلام، إلا بما يعود عليهم بالعطايا,ولا يملكها - في نظرهم- غير كوندا, وابتغوا السلامة على المجد, ولم يبتغوا المجد إن ظنوا أنهم هلكى دونه, وأصر عباس على أنك متآمر, لا يُركن إليك, واستوطن المقاطعة التي آلت إلى قبر لعرفات عندما قال:لا (لهم) لتذكره بأن من يقولها فهي له قبر !! ...الأمر الذي زاد الحمل على كاهلك ثقلاًً.
إنها القيادة يا -أبا العبد- التي تضطر صاحبها –أحيانا- أن يركب الصعب.
أتوقف لأستأنف يوم غد إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.