خطوة أردنية عربية أصيلة

نشر 30 اغسطس 2009 | 13:17

بقلم: مصطفى الصواف

 

جاءت الخطوة الأردنية بتمكين الأستاذ خالد مشعل من المشاركة في تشييع جثمان والده الشيخ عبد الرحيم مشعل رحمة الله عليه، والذي وافته المنية في العاصمة الأردنية أول من أمس، في الاتجاه الصحيح، وتعتبر لفتة أردنية عربية أصيلة تشير إلى إمكانية العودة إلى الأصول العربية في التعامل مع الأشقاء، وعدم الارتهان للضغوط والإملاءات الخارجية، وتغليب المصالح العربية الواحدة على أي اعتبارات أو خلافات بين الإخوة في الوطن العربي الكبير.

 

صحيح أن دخول مشعل للأراضي الأردنية بعد عشر سنوات من الإبعاد القسري جاءت بدوافع إنسانية بحتة لا علاقة لها بالسياسة أو طبيعة العلاقة المتأزمة بين الأردن وحركة حماس، ولولا وفاة والد مشعل رحمه الله لما حدث هذا الأمر، كما أن هذا الزيارة يجب أن لا تحمل أكثر مما تحتمل، وأن لا تبتعد عن مسارها الحقيقي كونها لا تتعدى حالة الوفاة وتقبل واجب العزاء، ولكن لها أبعادها المختلفة.

 

ولكن لا يعني ذلك أن لا تكون في هذا الزيارة لخالد مشعل للأراضي الأردنية أبعاد سياسية يمكن استغلالها، خاصة وأن الفترة الأخيرة شهدت تطورا إيجابيا في العلاقة ما بين الحكومة الأردنية وحركة حماس بشكل طفيف، ولا أعتقد أن تمضي الساعات القليلة التي سيمضيها مشعل في فترة العزاء دون أن يكون هناك لقاء على مستوى عال من النظام الأردني ممثلا بالملك عبد الله بن الحسن؛ حتى وإن كان لقاء عابرا بهدف تقديم واجب العزاء من قبل الملك لمشعل بشكل شخصي سواء بحضور الملك أو بذهاب مشعل إلى حيث يتواجد، وقد تؤسس هذه اللحظات لصفحة جديدة في العلاقة بين حماس والأردن، قد تتوسع فيها الخطوات الإيجابية السابقة وتتعزز، هذا إلى جانب لقاء مشعل بشخصيات سياسية أردنية كبيرة كرئيس الوزراء والوزراء والأعيان والشخصيات الاعتبارية، وهذا كله ستكون لها آثار إيجابية تعزز العلاقة بين الطرفين.

 

اللافت للنظر هذه المشاركة الجماهيرية الكبيرة في موكب تشييع جثمان المرحوم عبد الرحيم مشعل، والتي قدرت بثلاثة آلاف مشيع، ما يدلل على الحضور الكبير لحركة حماس في الساحة الأردنية، وأن هذا الحضور لم يتأثر بتلك الإجراءات التي اتخذت قبل عشر سنوات بحق القيادة السياسية لحركة حماس وما أعقبتها من محاولات من قبل المخابرات الأردنية لتشويه صورة حماس عبر فبركة ما يسمى ( خلية حماس والأسلحة) والتي فشلت في أهدافها ولم تحقق ما سعت إليه المخابرات الأردنية؛ حتى أنه في نهاية المطاف أطلق سراح المعتقلين على خلفيتها من السجون الأردنية.

 

نتمنى أن تستثمر هذه المناسبة لترميم العلاقة بين حركة حماس والنظام الأردني، وأن يكون استثمارا في الاتجاه الصحيح الذي يؤدي إلى عودة المياه إلى مجاريها بعد أن ثبت للأردن أن حركة حماس أبعد عن التفكير باللعب على الساحة الأردنية، وهي القادرة على ذلك، ولكن مبادئها لا تسمح لها باتخاذ الساحات العربية مكانا للتوتير أو للتدخل في شئونها الداخلية وهي السياسة التي حافظت عليها حركة حماس وما زالت رغم حالة العداء لها من قبل بعض الأنظمة العربية.

 

إن الشعبين العربيين الفلسطيني والأردني، لا يستغني أي منهما عن الآخر، لأنهما يمثلان جناحي طائر، فإلى جانب التلاحم الجغرافي ، هناك علاقات حميمية تصل إلى علاقة الدم الواحد والجسد الواحد، وعلاقة النسب والمصاهرة بين الشعبين حتى بات من الصعب التفريق أن هذا أردني وهذا فلسطيني، لأننا قد نجد الفلسطيني أخواله أردنيين ونجد الأردني أخواله فلسطينيين، إضافة إلى كونهم مسلمين وعرباً وما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.

 

كذلك ظهر في الآونة الأخيرة، أن الأردن يرى في مواقف حركة حماس أكثر اقترابا من مواقفه السياسية المتعلقة بالوطن البديل الذي تتحدث عنه دولة الكيان، والتي أكدت فيه حماس أن الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين، ولن يقبل الشعب الفلسطيني أن يكون الأردن الوطن البديل، ولكن سيبقى البلد الشقيق، إضافة إلى رفض حركة حماس لأي مشروع توطين للاجئين الفلسطينيين في أي مكان وخاصة الأردن.

 

ومن هنا كل هذه القضايا والأمور قد تشكل انطلاقة نحو إعادة هذه العلاقة الأخوية بين حركة حماس والنظام الأردني في المستقبل القريب، بعد انقشاع هذه الغيمة التي عكرت صفو العلاقة بين الطرفين نتيجة ما لعبته بعض الأيادي الخبيثة، والتي أدت إلى فساد العلاقة الأخوية بين الجانبين، ولكن مواقف حركة حماس تجعل النظام الأردني أمام نفسه ويعيد تقييم هذه العلاقة لصالح تمتينها وإعادتها من جديد حتى تأخذ الأردن دورها الحقيقي في المنطقة.