بقلم: ياسر الزعاترة
فيما يشبه البيان الحكومي لنيل الثقة مسبوقاً بمقدمة فيها بعض النهكة النضالية، قدم رئيس وزراء حكومة رام الله للفلسطينيين دليلاً يوصلهم إلى الدولة الفلسطينية المستقلة وكاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 67، بما في ذلك القدس الشرقية مع حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين، وكل ذلك في غضون عامين، ما يستعيد الخطاب الذي سبق أن ألقاه في جامعة القدس قبل أسابيع.
كل ما قيل في الوثيقة العتيدة 13 (ألف كلمة)، بما فيها المقدمة المشار إليها لا يغير من الحقيقة الماثلة أمام أعين الناس، وخلاصتها أن الدولة العتيدة لن تكون بغير التفاصيل التي يحددها نتنياهو وأجهزة الأمن الإسرائيلية. وعندما يكون رئيس السلطة ورئيس حكومته في حاجة لحماية جهاز الشاباك الإسرائيلي في حال قرروا دخول مناطق ج، فإن كل حديث عن فرض الدولة بقوة الأمر الواقع لا يغدو مقنعاً بحال من الأحوال.
وإذا كان الزعماء في حاجة لحماية الشاباك في مناطق ج، فإنهم في حاجة لبطاقة الفي آي بي من أجل التنقل دخولاً وخروجاً بين المناطق الفلسطينية، وبينها وبين الخارج، كما أن العدو هو الذي يحدد كل ما يمكن أن يدخل ويخرج من وإلى مناطق الضفة من مال وبضائع، فضلاً عن البشر من عباد الله المستثمرين وغير المستثمرين.
دولة الأمر الواقع المأمولة، هي في واقع الحال ذات الدولة المؤقتة التي تحدث عنها شارون قبل سنوات وأسس من أجلها حزب كاديما، وهي ذاتها التي تترجم معادلة السلام الاقتصادي التي تحدث عنها نتنياهو، بدليل أن كل أحاديث الأمن والتنمية والاستثمار لن تتم بحكم الأمر الواقع، كما يزعم القوم، وإنما بمباركة المحتل الذي يسمح بتدفق الأموال وتصاغ المعادلة برمتها على عينه.
لو كان هؤلاء قادرون على فرض الأمر الواقع لاستثمروا حكماً بالغ الأهمية والوضوح من محكمة العدل الدولة في لاهاي بعدم شرعية الجدار الأمني الذي يتلوى مثل الأفعى في أحشاء الضفة الغربية ويسرق ما يقرب من نصف أرضها، وأكثر من ذلك من مياهها، بينما يتركها في حالة بائسة من التفتيت.
هؤلاء الذين يتحدثون عن حلم الدولة بعد عامين يعرفون أن دولتهم القادمة هي دولة الجدار منزوعة السلاح التي لن يتضمن الاتفاق بشأنها حق العودة للاجئين، وهي ذاتها الدولة المؤقتة التي ستغدو دائمة مع بعض التعديلات الطفيفة، وهي أقرب ما تكون إلى دولة ما قبل انتفاضة الأقصى نهاية أيلول عام 2000.
إنهم يدركون ذلك، ولكنهم يريدون تجريع هذه المعادلة للشعب الفلسطيني بالتدريج، وذلك عبر السماح لقطاع منهم بتذوق طعم النعمة والاستقرار، ومن ثم الغرق تبعاً لذلك في الاستثمارات وأسئلة البورصة وتحولات نقاطها، وهي ذاتها معادلة نتنياهو بشأن سنوات السلام الاقتصادي التي ستثبت أهلية الفلسطينيين للسلام، بينما يتقبل العرب دولة الإسرائيليين كعنصر فاعل في المنطقة، ويمارسوا معها التطبيع بكافة أشكاله.
والحق أن الدولة المؤقتة القادمة هي ذاتها الدولة الدائمة كما قلنا مع بعض التعديلات، وسلام فياض لا يأتي بكل ذلك من بنات أفكاره، والذين مكثوا عاماً ونصف العام يفاوضون في جنيف من أجل التوصل للملحق الأمني لوثيقة جنيف بتفاصيل المرعبة لم يكونوا يتصرفون من تلقاء أنفسهم، فقد كانت القيادة على اطلاع كامل على كافة التفاصيل، كما أنهم من كبار الرموز في فتح والسلطة (أربعون شخصية مقابل حوالي ستين من الإسرائيليين).
بين الملحق الأمني لوثيقة جنيف، وواقع الجدار والاستيطان في القدس والضفة تتضح معالم الدولة العتيدة التي يبشرنا بها سلام فياض، ما يعني أن لعبة التسويق القائمة لا ينبغي أن تنطلي على عقلاء الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة، كما أن على الجميع أن يواجهوا هذه العملية المبرمجة لتصفية القضية، وألا يركنوا إلى أنها محاولة أخرى للتسوية ستنتهي مثل سابقاتها.
ما يجري بالغ الخطورة، والسبب أن فتح تدعمه، وكذلك منظمة التحرير بعد ترتيب وضعها مثل فتح، وكثير من العرب يدعمونه، بينما يحظى بدعم أكبر من الأمريكان والأوروبيين، ما يعني أن مواجهته ستكون صعبة ومكلفة إلى حد كبير.