بقلم: د. عطالله أبو السبح
(يحكم الرجال بنقائصهم أكثر من فضائلهم) هو قانون الثورة يا أبا العبد، والذي عمل به قادتها طويلاً طويلاً، وأول نقائص الرجال هو شهوتهم المتأججة للمال، فإذا ما مد (الرجل) يده للمال فقد رجولته وشهامته، وأصبح أداة طيعةً في يده فيلاعبه كما يلاعب كلينتون (جروه) فيتقافز من حوله، وعينه على جيبه، يأتمر بأمره، وإذا ما نظر إليه ارتجف، قد تكون أكتافه مثقلة بالنجوم وبالنسور أو المقصات أو بالأغصان، وصدره يحمل أنواط الشرف والنياشين، ولكنه خفيض العين أمام ولي نعمته، كسيف البال، متبلِّـد الإحساس، لا تكاد تختلج خليه من وجهه لأية إهانة مهما بلغت، وإذا ما جاءه أمر كان أشد من عقور شراسة، يَـثـِبُ، يمزق، يلعق الدماء إرضاءً لأهواء سيده، في الوقت الذي تنبري فيه حزمة من الأقلام لتبرر، وترفع ذا، وتحط ذاك أسفل سافلين، وينسَ أرباب المال أن مراتبهم صفر في بطون من أذلوهم بعطاياهم، فلا توقير ولا وفاء ولا انتماء، يتحيـَّـنون بارقة تنذر بسقوطهم، فينصرفون إلى ما جمعوا من (مال)، ولا يرون غيرها إلا شريطاً من الإهانات والإذلال التي جرعها لهم (الزعيم)، فيطلقون سيقانهم إلى الريح هروباً من مشاركته السقوط أو حمايته منه ، هو الموقف الذي دعا أنطونيو إلى أن يجأر من طعنة الغدر في وجه (بروتوس) الذي طالما ذاق الهوان من تعاليه وازدرائه، وإذلاله (حتى أنت يا بروتوس)، هو منطق الأغبياء الذين يتصورون أنهم يبنون ممالك بالقادة العبيد، ويستذلون الرقاب بكرابيجهم، ويحصنون كراسيهم بأجسادهم، غباوة ما بعدها غباوة، فالزاحفون على بطونهم سحالي، والسحالي لا تبني ولا تشيد، وتتقن الفرار والإنهزام، فما أغنى عن رستم جيش وإن سلسلهم وربط السيوف على معاصمهم، فالإهانات تحني الهامات، ومحنيُّ الهامة لا يأتي بنصر أو يصون كرامة، وما أغنى عن قادة العرب جيوش كان أكثر همها تمجيد الزعيم، والانحناء لسموه أو سيادته أو جلالته أو فخامته؛ نظير ما تجود به نفسه عليهم، وله في كل منعطف (كرباج) ومعتقل، ولكل منهم عنده كتاب يحوي سقطاته (زنا – لواط – سرقة – مجون – سكر – عربدة) فيلجمه بلجام النقائص والذلة والهوان .
يهدده به صباح مساء بالفضيحة والدمار والطرد والتجويع !!! هذا الذي جرى وهو ما يجري، هو المال الحرام يا أبا العبد الذي اشتـُرِيَ به (قادة) الذمم بعدما باعوا ذممهم للعواصم، وأفسدوا الضمائر بعد أن أفسدت العواصم ضمائرهم، هو ما جعل خريجي الكليات الحربية، ورئاسة الأركان، يتركون مواقعهم وثكناتهم ومكاتبهم ويرمون سلاحهم في أول بئر مروا بها، وفروا لا يلوون على شيء، وحاقت بوطننا الهزيمة التي أصابت أحلامهم، قبل أن يصاب بها الوطن، وأصابت رجولتهم، قبل أن يصاب بها الوطن، وكانت الهزائم مُذِلة ومدوية، وللحسرة لم يفطن لذلك المتاجرون بهذا الوطن ، فالهزيمة لا يسلم منها أحد حتى هـــم، سرعان ما يجدون –وقد وجدوا فعلا– أنفسهم بلا غطاء إلا العار، والتباكي على الأطلال هذا إن لم تصل إليهم أقدام المستضعفين لم يخلُ شارع من أؤلئك أو بناء، أطفأوا الفرحة التي شعَّـت في عيون المخلصين، عُدت لتجلس في كرسي الرئاسة، ولمَّا يجف توقيع عباس/ مشعل، أو عزام/ خليل على الاتفاق، حتى تورم أنف تل أبيب، فهيـَّجَت العبيد، فأخذوا يثيرون غباراً هنا، وغبارا هناك، وكان لابد لوزير داخليتك (هاني القواسمي) الذي وافق عليه عباس أن يوقف الغبار كي يحمي العيون؛ حتى تبصر كيف تبني وتسوس، ولكن عباسا لم يجد في الرجل ما يريد، فسرق صلاحياته بليل ونهار، فحفيت أقدام الرجل ...
وجد نفسه وحيدا يصارع الغبار الذي أمسى زوابع، لا يعطي أمراً فيُطاع، ولا ينهى عن أمر فيُطاع، أبقى عباس مقاليد الأمور في يد (رشيد) و(رشيد) مأمور (لدحلان) و(دحلان) مأمور (العواصم)، هذا إذا أحسنَّا الظن، وأطراف النظام (الرسمي) في يد القائد (عباس) وأطراف (عباس) في يد (دحلان)
كم اجتهد الوزير نفسه كي يحمي عيون الوطن من الزوابع، وكم وضع جسده ليحول دون وصول رصاصة إلى صدر برئ، وكم ذهب وجاء ثم ذهب وجاء ... حركته (عباس – المقر) وبالعكس، ولكن بلا جدوى؛ حتى ترسخت لديه قناعة علي بن أبي طالب ( لا رأي لمن لا يُـطاع) فأخذ يلوِّح بالاستقالة، وأبواق العواصم تنعته بالضعف رغم أنه وضع الخطط والتكتيكات لإخماد الغبار مع الزوابع، فوُضِعت في أدراج عباس رشيد دحلان، إن أحسنتُ الظن أيضا، وأنت في حيرة من أمرك، لقد لبـَّـيْت، ولقد طلب عباس فأسلم (سعيد) القيادة (لهاني القواسمي)، ثم مــوَّه بالضعف، وسخروا منه وجعلوا من اسمه مادة في ألسنة صبية (الحرية والشباب )، حتى ضاق الرجل ذرعاً، دقت القلوب خوفاً وجزعاً على اتفاق مكة، العابثون لا ينام لهم جفن، ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى خصوماً له ممن فقدوا الكرامة والرجولة والوفاء، ممن طأطؤوا للمال الحرام، وساقتهم نزواتهم إلى النواقص، أؤلئك الذين باعوا الوطن بلحظة لذة حرام ، الأمر الذي اضطرك للقاء فلقاء فلقاء، تحاور بهدوء ، وتخرج بعد اللقاء باتفاق ، وقبل أن تصل إلى بيتك ينقضه الصغار، لا شيء يتغير إلا للأسوأ، كلمات اتفاق مكة تختنق ، وتلفظ السطور أنفاسها سطراً سطراً، لم يُغير اتفاق مكة من نفوس من ارتهنوا للعواصم ، فسلطانها عليهم جبار وعنيد، يجب أن ترحل ولا يكون لك مقام، ولتذهب إرادة شعبك التي جاءت بك إلى حرب أهلية، تعزلها عنك، وتقصيك ...
ضاق الرجل ذرعاً بعصيان جنده له، وبألسنة السوء، احتدمت الاستقالة في صدره، وأنت تهدِّئ من احتدامها ، يتحدث إليه أشياخ الحركة وحكماؤها وزملاؤه ؛ فيمتلئ ثباتاً، وإذا ما خرج من عندك بـيـّـت له طائفة من العبيد مزيداً من الزوابع ، فيحاول الرجل ويحاول، ويذهب إلى عباس ويجيء بلا خُـفَّـين ، فقد كان حُـنَيْن أحسن منه حظاً ، حتى وصل أن تصبح أنت وزيراً للداخلية بعد أن فرض الرجل استقالته إبقاءً على ما بقي من (قوته) و(حِلمه)، وصوناً لكرامته، وأثبت بكل شجاعة بأنه غير محكوم (لعباس)، قد أثبت أنه لا نقائص له، وأما (عباس) فلابد له من لغة جديدة .
أتوقف هنا لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) للغد بمشيئة الله