رهانات فتح على تأجيل الحوار الفلسطيني

نشر 29 اغسطس 2009 | 10:09

بقلم: صالح النعامي

 

أصبح تأجيل جلسات الحوار الفلسطيني النتيجة التلقائية لكل الجهود التي تُبذل مؤخرًا لجمع حركتي فتح وحماس حول طاولة النقاش من جديد، فالهُوَّة تتسع يومًا بعد يوم بين مواقف الطرفين. وقد بات واضحًا أن أبو مازن غير راغب في إنجاز اتفاق يضع حدًا للانقسام الداخلي، وهناك مؤشرات واضحة جدًا تدل على عدم رغبة حركة فتح في أن تسفر لقاءات الحوار عن أي نتيجة حتى موعد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في الخامس والعشرين من يناير القادم. ومن المؤشرات على توجهات حركة فتح الحقيقية هو إصرارها على عقد جلسة طارئة للمجلس الوطني الفلسطيني نهاية الشهر الجاري، وسعيها لإضافة بنود أخرى على جدول أعمال الجلسة الطارئة للمجلس، بما يمثِّل تجاوزًا لما جاء في المادة 14 من القانون الأساسي لمنظمة التحرير؛ حيث إنه كان من المفترض أن تعكف الجلسة على بحث قضية واحدة، وهي استكمال عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فقط، وذلك بعد وفاة أمين عام جبهة النضال الشعبي سمير غوشة. فمن الواضح تمامًا أن من يعقد مثل هذه الجلسة يعي أنها ستؤدي إلى زيادة التوتر، وتهدد فرص نجاح جهود الحوار الوطني، مع العلم أن وثيقة الوفاق الوطني التي تم التوصل إليها عام 2005 ووقَّعت عليها كل الفصائل الفلسطينية قد نصت بشكل صريح على إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وضمنها المجلس الوطني، وبالتالي فإن أي محاولة لتفعيل مؤسسات المنظمة يعني نكوص 'فتح' عن التزامها بهذه الوثيقة. ومن المؤشرات على عدم جدية فتح هو إعلان الحركة ورئيس حكومتها سلام فياض بشكل صريح أنه لا يوجد لديهم معتقلون سياسيون، مع أن هناك حوالي 900 معتقل من قادة ونشطاء حركة حماس يتعرضون للتعذيب الشديد وفق تقارير المنظمات الحقوقية المحايدة، وبالتالي فإن هذا يعني الإصرار على رفض مطلب حركة حماس القاضي بضرورة الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، مع أن حماس أعلنت بشكل واضح وصريح استعدادها للإفراج عن جميع نشطاء حركة فتح حتى أولئك الذين أدينوا بقضايا أمنية. في نفس الوقت فإن أبو مازن ومن خلفه قادة حركة 'فتح' يركزون على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها؛ على اعتبار أنهم يعتقدون أن هذه الانتخابات ستسفر عن هزيمة حركة حماس فيها؛ لأنها ستجرى في ظل الحصار الخانق وتدهور الأوضاع الاقتصادية الذي لم يسبق له مثيل، حيث إنهم يرون أنه سيكون من السهل تقديم حركة حماس كمسئولة عن الأوضاع الكارثية التي لحقت بأهل غزة، وبالتالي تقليص هامش المناورة أمامها بالفوز مجددًا بثقة الجمهور الفلسطيني.

 

والمفارقة أن هامش المناورة المتبقي أمام التوصل لحل آخِذٌ بالنفاد بشكل كبير، فاستنادًا للقانون الأساس للسلطة من المفترض أن يُصدر عباس مرسومًا بإجراء الانتخابات في موعد أقصاه 24 أكتوبر القادم، أي قبل ثلاثة أشهر من موعد إجراء الانتخابات. ومما لا شك فيه أن حركة 'فتح' تراهن على الصعوبات التي تواجه حماس، حيث تأمل أن تؤدي هذه الصعوبات إلى إضعاف موقف الحركة وقبولها في النهاية بالمواقف التي تطرحها قيادة 'فتح'. فقيادة 'فتح' تعتقد أن حماس لم تحصل على ثمن مقابل المرونة السياسية التي أبدتها، سواءً من العالم أو من الدول العربية، حيث يستمر الحصار الخانق على القطاع، وإغلاق معبر رفح بشكل دائم، وعدم الشروع في إعادة الإعمار، وعدم الاتفاق على التهدئة مع إسرائيل. وترى فتح أن تحسُّن العلاقات السورية ـ الأمريكية والاضطرابات الإيرانية الداخلية ونتائج الانتخابات اللبنانية، ليست تطورات إيجابية لحماس، بل تصب في غير صالحها.

 

ومما لا شك فيه أن هناك علاقة أكيدة بين تأجيل جلسات الحوار وبين المبادرة التي من المفترض أن يعلن عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما لحل مشكلة الشرق الأوسط. وللحقيقة فإنه ليس 'فتح' وحدها التي تبدي عدم تحمس للحوار قبل الكشف عن مضامين مبادرة أوباما، بل معظم الدول العربية التي تنتمي إلى ما يعرف بمحور 'الاعتدال'. لكن من الواضح أن رهن الحوار بمبادرة أوباما سيكون مغامرة غير محسوبة من قبل حركة 'فتح' ولن يدفع نحو إحراج حركة حماس، بل على العكس تمامًا. فالخطوط العامة للمبادرة أصبحت واضحة، فمقابل تجميد مؤقت ووهمي للاستيطان في الضفة الغربية، فإن أوباما يطالب الأنظمة العربية بمكافأة إسرائيل بالتطبيع. والذي يتفحص ما جاء في الاقتراح يتبين له بسرعة أن الحديث لا يدور عمليًا عن وقف للبناء في المستوطنات، بل على العكس تمامًا. فحسب نص المشروع فإنه خلال فترة الثلاثة أشهر يتم استكمال بناء 2000 وحدة سكنية، تعتبر حاليًا في طور البناء. وهذا المشروع يمثل تضليلاً فجًّا للعرب، حيث إن استكمال بناء 2000 وحدة سكنية في المستوطنات يعني إضافة 2000 عائلة يهودية للمستوطنين في الضفة الغربية، وهذا يعني أن عشرين ألف مستوطن جديد على الأقل سينضمون لليهود الذين يغتصبون الضفة الغربية والقدس.

 

إنه من الخطأ أن تنطلق حركة 'فتح' في مقاربتها للحوار الوطني من افتراض أن حركة حماس تعاني أزمة وأنه كلما تم تأجيل حسم القضايا الخلافية العالقة بين الجانبين فإن حماس ستبدي انصياعًا أكثر. فموقف أبو مازن وحركة فتح معرَّض للانكشاف، ورهانه على المفاوضات مع إسرائيل سينهار؛ بسبب التعنت الإسرائيلي، حيث إنه سيتبين للفلسطينيين أن المفاوضات مع إسرائيل لم تساهم إلا في تمكين الكيان الصهيوني من تكريس الوقائع الاستيطانية على الأرض، في الوقت الذي تؤكد فيه منظمة 'بيتسيلم' الإسرائيلية أن الأنشطة الاستيطانية تضاعفت منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو بأكثر من 70%.