الانشقاق في فتح

نشر 22 اغسطس 2009 | 09:42

بقلم: منير شفيق

 

على الرغم من الموقف المخزي الذي اتخذته صحف وقنوات فضائية عربية، من المؤتمر السادس لحركة فتح، من حيث غض النظر عن عَقدهِ تحت الاحتلال، والطرق الملتوية والقهرية التي فرضت عقدهُ في بيت لحم، ثم سكوتها عن إضافة بضع مئات من الأعضاء الجدد قبل ساعات من انعقاده، ومن دون موافقة اللجنة التحضيرية عند اختيار 1500 عضو، كان يفترض بهم أن يكونوا أعضاء المؤتمر.

 

بل أضيف العشرات في أثناء انعقاد جلسات المؤتمر، أما الشرط الوحيد لكل هذه الإضافات، فكان توقيع محمود عباس الذي لا صفة له في المؤتمر سوى كونه عضواً فيه بعد إعلان افتتاحه.

 

هذا كله، لم يهزّ تلك الصحف والقنوات، ولم تتخذ منه موقفاً نقدياً، وقد استمر تبلّد هذا الشعور، أو التواطؤ في الأدقّ، في أثناء إدارة أعمال المؤتمر، حيث لم يعرف نقاشاً حقيقياً لأية قضية، وإنما عرف خطباً قوطع الكثير منها، وأنزل بعض الأعضاء من المنبر، في أثناء إلقاء كلماتهم، ثم جاءت لحظة مباغتة المؤتمر من قبل رئاسته باقتراح انتخاب محمود عباس رئيساً لحركة فتح، قبل أن يثبّت عضواً في اللجنة المركزية من قِبَل المؤتمر.

 

والأهم قبل أن يغيّر النظام الداخلي لحركة فتح من جهة وجود رئيس لها، وكيفية اختياره، وما صلاحياته، وما صلاحيات اللجنة المركزية والمجلس الثوري إزاء رئيس الحركة المنتخب من المؤتمر مثلهما؟

 

هذا ولم يقتصر هذا التغافل من قبل تلك الصحف والقنوات على السكوت عن، أو التواطؤ مع، كل ما ارتكبه محمود عباس من المخالفات المذكورة حتى يمتد هذا الصمت، وذلك التواطؤ، إلى تدعيم عملية انتخاب اللجنة المركزية، بالرغم مما رافقها من مخالفات وعمليات تزوير، أو تحوير في النتائج. ويكفي شهادة على ذلك ما قاله أحمد قريع من نقد للعملية الانتخابية برمتها، وقد شكك فيها تشكيكاً لم يتقدّم أحد من فريق محمود عباس لدحضه واكتفى 'الرئيس' بإطراء أحمد قريع وإغرائه بأن منصباً ينتظره، هو وكل من سقط في الانتخابات، أو راح يحتج عليها. ولكن كان ردّه على تصريح قريع بأن من حقه إبداء رأيه. وهدفه أنّ من حق الآخرين عدم الإصغاء لرأيه. وبهذا يصبح التزوير مثل وجهة النظر. وهذا طبعاً يجب اعتباره تنازلاً من 'الرئيس' أو ديمقراطية وحضارية.

 

وجاء تعيين المجلس الثوري، ودعك مما حملته صناديق الاقتراع بعد ثلاثة أو أربعة أيام من انتخابه، على قياس 'رئيس الحركة' أو على قياس 'المرحلة'، كما يحلو للبعض أن يسمّيها.

 

أمام كل هذا الذي عرفه المؤتمر السادس لحركة فتح كان لا بد من أن يتدافع السؤال على ألسنة الكثيرين: هل ستنشق فتح؟ بل إن محمود عباس نفسه بعد انتهاء المؤتمر، أو في الأدقّ بعد الإعلان عن نتائج انتخاب اللجنة المركزية ردّ على السؤال، مؤكداً بأن 'فتح لا تنشق' وبأنها 'رقم عصيّ على الانشقاق'.

 

وهنالك من ردّ على السؤال بأن فتح ستحافظ على وحدتها مهما كانت الخلافات واسعة وعميقة نتيجة المؤتمر السادس، وما جرى في عملية عقده وإدارته وانتخابات لجنته المركزية ومجلسه الثوري.

 

على أن الجواب عن السؤال لا يحتاج إلى تدقيق. فالانشقاق حصل فعلاً، وقد بدأ حين انقلب محمود عباس وفريقه على الشهيد ياسر عرفات وهو في الأسر والقضيّة معروفة وليست بحاجة إلى إثبات.

 

ثم إن ما حصل مع محمود عباس (وهو مجرّد عضو في اللجنة المركزية، ولا أهميّة لألقابه في السلطة، أو منظمة التحرير، أو بعض من حاول تسميته قائداً عاماً لفتح بلا مؤتمر ولا ما يحزنون عندما حلّ اللجنة التحضيرية، وفي فرض عقد المؤتمر في بيت لحم وفي السيطرة عليه من خلال تعويمه بأكثر من 800 عضو، فضلاً عن انتشار القوات الأمنية التي بناها كيث دايتون، وإلى جانب ما جرى في التحكم في أغلب نتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري) كان انشقاقاً صارخاً على فتح أو في الأدّق، انقلاباً، عملياً (ولو من دون إعلان البلاغ رقم واحد) عليها ابتداء من الانقلاب على ياسر عرفات.

 

الذي حدث في فتح بعد المؤتمر السادس هو تحوّلها إلى فتح خط محمود عباس وهو مخالف لخط فتح ياسر عرفات بعد اتفاق أوسلو، ودعك من فتح المنطلقات والرصاصة الأولى وتقاليدها، بما في ذلك ما عرفته من تعدّدية، وتسامح داخلي، وقانون محبّة. ففتح الآن في طريقها لتصبح شيئاً آخر تماماً عن فتح المعروفة حتى استشهاد ياسر عرفات، بل حتى انعقاد المؤتمر السادس.

 

لهذا فالانشقاق وقع عملياً وهو واقعٌ بعد المؤتمر أكثر منه قبله، ولكنه ليس انشقاق المعارضين لخط عباس، وإنما انشقاقه هو على فتح. فإذا كان شعاره الآن: 'من يمشِ كما أُريد فأهلاً وسهلاً، ومن لا يريد فليشرب البحر' أو يصبح متقاعداً براتب أفضل من راتبه الحالي، فهذا يعني أن فتح التي يُسأَل هل ستنشق؟ في حالة انشقاق. فالمحالون إلى التقاعد حالة انشقاق صامت. والمهمّشون والمقهورون حالة انشقاق مُجمّد. وهو مصير الكثيرين ممن دخلوا المؤتمر وفي أملهم إنقاذ فتح، أو استعادة فتح مما حلّ بها من تفسّخ وانهيار. فالمرشحون إلى التقاعد والتهميش 'والموت بغيظهم'، سيكثرون كالفطر داخل فتح في قابل الأيام.

 

فالانشقاق بمعنى الإعلان والتشكّل كقوّة مقابلة لخط محمود عباس وفريقه، فمسألة محكومة بتطورات الوضع العربي وما سيفعله ميتشل. بمعنى هل سيبقى صامتاً- عاجزاً أم صارخاً متوثباً.