بقلم: د. عطالله أبو السبح
أولاً/ من القواعد الذهبية في القضاء الشرعي (لا يقضي القاضي بعلمه)، فلو رأى قاضٍ بأم عينه جريمة قتل (مثلاً) ورأى القاتل والمقتول، وتفاصيل الجريمة، فله أن يختار إما أن يكون شاهداً ولا يقضي، وإما أن يكون قاضياً ولا يشهد، فإن اختار (القضاء) فعليه أن يكتم علمه بتفاصيل الجريمة ولا يقضي به، وهو الذي تيقن بنفسه، فرأى وعلم تفاصيل التفاصيل، وبالتالي فعلمه قطعي أن فلاناً هو الذي فعل، وعليه في هذه الحالة – وجوباً- أن يطلب البينة ممن ادعى، ولا يصدر أحكاماً بناءً على علمه بالواقعة، وهو علم يقيني، فما بالك بالرؤى، التي لم يقل أحد أبداً أنها إحدى طرق الإثبات أو البينات.. أو أنها تفيد العلم اليقيني ...أبداً.. أبداً!!! فكيف لو كان القاضي هو من رأى الرؤيا أو رؤيت له، أيقضي بها؟؟ بالقطع: لا وألف لا، ولقد خالف عبد اللطيف في ذلك السلف من علماء الأمة وخلفهم، كما خالف أبسط قواعد التقاضي وأجلاها.
ثانياً/ جاءت الخطبة (الذهبية) موشحاً من الشتم والتحقير والازدراء وصل إلى درجة الإسفاف، ما وردت على لسان داعية مهما صغر شأنه قط، وإن وردت فلا يقره شرع ولا عرف ولا ذوق أبداً أبداً؛ مما أثار الاستياء في نفوس العقلاء من أنصاره، إلا من هؤلاء الشبان، الذين هم أقرب إلى الأمية والرعونة، حيث قال شاتماً:
1. في معرض شتمه للوزير (... وشرع في إجراءات تدل على الخسة والحقارة، تصرفات قذرة رخيصة) (حسب التسجيل) ثم يضيف متوعداً (... وعدم معرفة عواقب الأمور) ثم (.... لا يفكر في إبطال مسيرة العطاء في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية إلا من سفه نفسه)، كلمات خارجة عن الحد الأدنى من أدب الإسلام، الذي أمر المسلمين أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ويأمر واحداً من أولى العزم من الرسل، وأخاه (أي موسى وهارون عليهما السلام) أن يقولا لفرعون قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، ثم إن قاعدته العامة (وقولوا للناس حسناً) و (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).
ويبدو أنه غاب عنه – وهو الحافظ لكتاب الله – أن قول الله تعالى (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)، تشير إلى الكفار الذين ذهب بهم كفرهم إلى أن يتآمروا على إبراهيم عليه السلام بالحرق.. فكيف طوعت لعبد اللطيف نفسه بهذا؟؟ كيف؟؟
2. شلال من الشتائم قد انهمر على رأس حماس وحكومتها؛ فلا شريعة طبقت، وأموال الناس بالباطل أكلت، وبالحكم الوضعي حكمت، واتخذت العلمانية سلوكاً ومنهاجاً وعلى أموال جند أنصار الله سطت، وألصقت تهمة تفجيرات خانيونس بالسلفيين زوراً وبهتاناً، وخرجت عن عقيدة عبد العزيز الرنتيسي ومن اصطفاهم الله من القادة الأصفياء الأنقياء، وأما المتأخرون... سيل هائل من الشتائم، ليقول بعدها عن حماس (إخواننا بغوا علينا) لغة تجعل الحليم حيراناً، امتشق عبد اللطيف سيفه وأصر ألا يعود لغمده حتى يقط رأس حماس (لن نتعدى على أي عنصر من عناصر حماس، فهم إخواننا، وقد بغوا علينا، نقسم بالله العظيم...) وأخذ يبشر من قتل من أنصاره بالجنة، وها هي تناديهم، وفتحت لهم الأبواب، عجيب!! عجيب!! كيف صدر هذا منه؟ وأما (الرؤيا) الأشد فظاعة؛ ازدراءً.. تحقيراً، هي التي وعد أنصاره أن يقولها في الخطبة الثانية، وكانت عنصر التشويق، الذي شد مستمعيه؛ فانتظروها بفارغ صبر، فكانت، (وأما بالنسبة للرؤيا المنامية، والتي وعدتكم - بإذن الله ومشيئته - أن أقولها في الخطبة الثانية (... جاءني هاتف روحي، بينما أنا خارج من بيتي في صلاة الفجر، فإذا بمجموعة من الكلاب تحيط بالبيت – وهي كلاب تتكلم فنظرت إليهم باستهلاس وباستضراط وباستخفاف... فقلت لهم:إيش إللى بدكو إياه؟ إيش فيه؟؟ وإذا بالكلاب تتكلم، قالوا: نريد المسجد الذي تصلى فيه، قلت: سبحان الله ( خير أيش بدكو فيه) قالوا: (بدنا نصلي فيه) قلت: هي الكلاب بتصلي؟!!.. اسمعوها أيها الأحباب ...قالوا نريد المسجد لحكومة الكلاب.. (أنت مش شايفنا قاعدين بننهش في كل واحد شوية) ويختم رؤياه بشكل دراماتيكي (وإذا بنور من جهة الغرب، من جهة البحر، قد جاء ففرت جميع الكلاب، نور من الله) وأما تأويل الرؤيا ( مسجد ابن تيمية –بإذن الله- هو مسجد لا تقال فيه إلا كلمة الحق- بإذن الله- ولذلك هو مؤيد بملائكة من نورٍ بإذن الله).. ( ولا تزال حركة حماس في بحبوحة من أمرها ما لم تقترب من مسجد ابن تيمية).
لا مجال للتعليق-بل للحزن و(خبط الرأس في الحيط) لا مجال، من الذي يقول هذا؟ أحافظ لكتاب الله ولسنة رسول الله، وعلى منهج خير سلف الأمة، أم قدر يغلي بالحقد، أخرج الرجل إلى ترهات وردح وإسفاف؟ هل من داعية قال: استهلاس واستضراط و استخفاف؟، أهذه ألفاظ تقال على منبر مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية؟ وفيمن قيلت؟ لإخوانه الذين بغوا عليه؟ ولمن؟ ألهذا الشباب الغض الذي سكن عقله على رأس سبابته، وسبابته على الزناد. فضغط فخرجت رصاصات سكنت رأس القائد القسامي أبي جبريل، الذي قالت عنه اليهود: إنه العقل المدبر لاختطاف شاليط؟ وليت الأمر ظل على قدر الشتائم، لهان الخطب، لكن أن يقترف دماً، هنا يتدخل الشرع بالأمر بالقتال (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله).
ثالثاً / ترى هل كان لدى عبد اللطيف ومستشاريه أدنى درجات الحس الأمني؟؟ الجواب فوراً لا .. لا يمكن أن يقدم من كان له هذا الأدنى من الحس الأمني، أن يعلن عن قيادة عسكرية هو مسئولها على الفضائيات، وفي مكان معلوم محصور، وعلى ملأ من الناس، وعن إمارة إسلامية!! هكذا!! وأميرها أبو النور المقدسي!! هكذا!! ثم يدعو المسلحين في قطاع غزة للالتحاق به!! أما خطر على باله، وهو ابن هذه البلدة، أن يأتيه مع كل واحد آخر عميل، فيعيث في الأرض فساداً وإفساداً من تحت عباءته؟ ثم إذا ما أخبرته حماس بحقيقة أمره، ماذا تراه سيقول، وقد جاءه الخبر ممن وصفهم بما وصفهم به؟ وما حجم الدمار والتخريب (والبلاوي الزرقة) والنكبات التي ستحل بهذا القطاع؟ ويا سعدك يا تل أبيب!! هذا إلي جانب، تأليب الدنيا على القطاع أكثر مما هو مؤلب الآن، فهنا قاعدة القاعدة، وهنا أبو مصعب الزرقاوي (كما أعلن عبد اللطيف) الذي قالها من ورائه: منهاجنا لا يقبل الرق ( حسب التسجيل) وما مصير مسجد ابن تيمية بعد هذا الإعلان، والبوم والغربان تحوم فوق القطاع؟ أين هو من الأباتشي والإف 16 والإف مليون...؟؟ هل كان هو مدركاً لعواقب ما ذهب إليه؟ لا يمكن!.! لا يمكن!.! فكيف جرى ما جرى؟ ولمصلحة من ؟ ومن الذي استدرجه؟ وما الثمن؟ أسئلة تلح على الوجدان والخاطر من قلوب تتفطر ألماً وحسرة. لماذا؟ أمقبول هذا العمل العسكري في ميزان الشرع؟ وأين الدروس والعبر، وقيادة رسول الله لغزواته؟ أما عرف عبد اللطيف، نعيم بن مسعود وحذيفة بن اليمان وقصة حاطب؟ والمُبكى والمُبكي أن عبد اللطيف ينسى كل ذلك ويهتف بشعاره ( فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً) أهكذا يكون العمل الجهادي ؟ (فاعتبروا يا أولى الأبصار) حتى لا تكون (داهية) أخرى....