هل يجوز شرعاً وعرفاً وأخلاقاً؟

نشر 17 اغسطس 2009 | 08:51

بقلم: مصطفى الصواف

 

صحيح أنني لست عالما في كثير من الأمور وخاصة الشرعية منها، ولكن أحاول أن اجتهد في إبداء رأيي من خلال فهمي للحياة التي أمضيت فيها نحو 54 عاما، أقر فيها بجهلي في كثير من الأمور، وأؤكد أنني مازلت طالب علم أبحث عن فهم أمور الدنيا والآخرة، قد أصيب وهذا بتوفيق من الله وقد أخطئ وذلك لتقصير مني أو استعجال أو قد يكون لهوى استحوذ على نفسي فحرفني ولكن ليس بقصد وإنما هو الاجتهاد.

 

سألني سائل، وسؤاله هو عنوان كلماتي التي سطرت بها هذا الحديث، وهو هل يجوز أن يخاصم الابن أبويه أو يخاصم الأبوان ولدهما؟ حقيقة وقفت طويلا أمام السؤال، لأنني لم أتصور يوما أن أسأل عن ذلك، رغم معرفتي بوجود حالات من الخصام في هذا الاتجاه وربما استمر الخصام حتى نهاية العمر، فيموت الأب وهو في خصام مع ابنه أو تموت الأم وهي في خصام مع ابنها أو ابنتها، لأنني لا أتصور أن يغضب الأب أو الأم على ولد من الأولاد، وإن تلفظ بعبارات الغضب، والذي ربما فيما بينه وبين الله يقول الله يسامحني والله يا رب ما قصدت الغضب عليه ولكن تلفظت بكلمة الغضب حتى تكون رادعاً له وجازراً على تصرفاته أو أخطائه التي لا تروق لي.

 

هذا تصوري للأب وأنا أب لا أملك القدرة على الغضب الحقيقي تجاه ولدي فلذة كبدي، كيف وأنا كنت أسهر الليالي عليه، وأنا أرقبه في كل دقيقة وفي كل لحظة ومع كل سنتيمتر، وبعد دخوله المدرسة ومتابعته في الجامعة وحتى بعد التخرج والزواج والحياة، هل يمكن أن أسمح لنفسي أن أغضب عليه؟، حتى وإن تصرف بما يغضبني، لأنني أدرك أن غضب الوالدين عاقبته النار والعياذ بالله.

 

إذا كان هذا حال الأب، سبب الوجود بعد الله هو الأم ، فكيف بالابن، كيف يمكن أن يسمح لنفسه أن يخاصم والديه، والله تعالى يقول: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً) النساء:36، ويقول عز من قائل  )أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، ألم تلاحظ معي كيف قرن الله تعالى عبادته وتوحيده وهما غاية الوجود بالوالدين؟ وهذا لعظمة الوالدين وبرهما، وقرن أيضا شكر الله بشكر الوالدين، لأنهما بعد الله سبب وجوده في هذه الحياة الدنيا، ويقول الله تعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) لقمان 14-15.

 

 في الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: 'جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال ' أحي والداك، قال نعم قال  ففيهما فجاهد'، أي ابذل جهدك في إرضائهما وبرهما فيكتب لك أجر الجهاد في سبيل الله تعالى، إذن بر الوالدين أعظم عند الله من الجهاد طالما أن الابن هو القائم على والديه.

 

لذلك أنا لا أتصور خصاما بين الوالدين والأبناء إلا كسحابة صيف تمر أسرع من البرق ولا يجب أن تؤثر على هذه العلاقة ولا يجب أن تخطر على بال الابن مهما علا شأنه أو كبر منصبه، حتى وإن أخطأ الأب أو الأم وهما ليسا معصومين من الخطأ، ولكن على الابن أن يتعامل بالحسنى ويصلح بالود والمعروف والتقرب إليهما.

 

يجب أن يحكم شرعنا علاقتنا بوالدينا، وعلاقتنا بأولادنا، ويجب أن لا نسمح  لهذا الخصام أن يتسلل إلى عقولنا أو فكرنا أو خواطرنا لحظة واحدة، وإن غضب الوالدان أو أخطأ، وعلى الوالدين أن لا يجعلوا الخصام سلاحا للعلاج، وإلا لماذا نحن أباء ومربين وأولياء ؟، هل لنغضب ونقاطع ولا نسامح أو نعالج؟.

 

أنا لا أعتقد أن الأب العاقل أو الأم العاقلة يسمحان لنفسهما ويطلق لها العنان للخصام مع أعز الناس، ولا أتصور أن تستقيم حياة الأبناء إذا أصروا على إغضاب الوالدين، لأنه لو كان صاحب حس مرهف وتواصل مع الله، سيشعر على الفور بعظم ما ارتكب ويسارع إلى تصحيح ما أخطأ، بغير ذلك لا تستقيم الحياة، فيُحرم الابن لذة الحياة ونعيم الآخرة، والأب كذلك لا يستطيع النوم أو يجد الراحة التي يبحث عنها وهو يحمل في نفسه ما يرهقها نتيجة نزوة أو ذلة من ابن أو بنت له.

 

لذلك نصحت السائل بالذهاب وبسرعة البرق إن لم يكن أكثر، إلى والديه ويستعطفهما ويطالب السماح، لأنه لا يدري هل سيطول عمر الواحد منا حتى يدرك ما ارتكب من جرم بحق والده، والأمر كذلك موجه للأب والأم أن لا ينسيا نفسيهما في غمرة الغضب وأن يطلقا العنان للغضب فلا يدريان النهاية متى؟، هل قبل الرضا أم تنتهي عند الغضب فيعيش الابن في ألم كبير وعذاب نفسي شديد؟

 

فلنسارع جميعا إلى رضا الوالدين واستدرار عطفهما، خاصة ونحن على أبواب شهر فضيل تفصلنا عنه أيام، فلنسارع إلى مغفرة إلى الله وليمح كل واحد منا ما علق في قلبه عبر الأيام ولا ننسى قول رسول الله ' ففيهما فجاهد' .