السيد الرئيس أعانك الله(31)

نشر 13 اغسطس 2009 | 08:44

بقلم:  د. عطالله أبو السبح
 

أيقن سميح المدهون أنه هالك لا محالة، فأعد العدة للحياة، دخل في ملابسه المدججة بالدولارات، حتى كادت جيوبها العديدة تدلق ما فيها، بعد أن ضاقت بها ذرعاً، ومن فوق كل ذلك خُرْجٌ محشو بالقنابل، ورشاش وآخر وثالث رهن شارة من أصبعه تتحول إلى معصرات تثج الرصاص المحرم، خرج سميح وقد أيقن أن أرواح ضحاياه تبحث عنه في أوكاره، وغرزه، وشقوقه، تبحث عنه حتى في زريبة حماره، أيقن سميح أن الحكم بإعدام محاكم التفتيش قد صادق عليه الأيتام والأرامل، وباركته دمعات الثكالى، وأنات المحزونين، وها هي تلبس الثوب الأحمر وما بقي على التنفيذ إلا أن يصل العد التنازلي إلى منتهاه، وقبل الوصول للنهاية كان سميح قد وصل إلى النهاية، أشار بأصبعه  فانطلقت رصاصات، سرعان ما استقرت في كبد رفيقك فخطا خطوة وهم بالثانية فلم يكملها، فقد مات ... كانت فاجعة ... اضطرب لسان القاضي فقفز في عدٍّه، فوصل إلى نهايته... تمزيق نفس سميح، ورأى فيه الأيتام والأرامل والمحزونون والثكالى قاتلاً، كله قاتل، رأسه، قلبه، صدره، يداه، قدماه، أحشاؤه كتيبة من القتلة، فأخذ كل واحد ثأره من سميح المدهون، وكانت فاجعة... لم يوقفها عقل، ولم يوقفها رفضك، ولم يوقفها استرجاع،  ولم يوقفها صوت نبي لو أصاخوا له السمع لتوقفوا عن (التمثيل) به، ولكن زئير الثأر في صدورهم قد طغى على كل صوت، وهدير الحناجر قد طغى على كل صدى، والرغبة الجامحة في الانتقام ألجمت صوت (كفى) ذهب سميح على الصورة التي ملأتك جَوَىً وشجناً، وكان لصوت والدة آخر ضحايا سميح تردد غير مألوف أبداً، كيف جمعت، قلبها على عقلها، وجعلت منهما قبضة أطبقت على هذا الكيان القاتل فحطمته؟ كيف؟

 

جعل عباس من نظيره أسطورة مقاومة وفداء، وكأنه يقول أنا الأسطورة، وأنا الفداء.

 

وجعل من أمه(أم البطل) فانثالت يده بالعطايا، وصار سميح صورة، ترشقها الماجدات الفتحاويات على صدورهن.

 

وصار الغناء لسميح، ومكبرات الصوت تنادي باسم سميح، والمهرجانات والأفراح تغني لسميح، ولم يبرد (لأم سميح) خف ولا حافر، ففي الليلة الواحدة تنتقل من مهرجان إلى مهرجان، ومن فرح إلى فرح، والرايات الصفراء تلوح، وصور سميح لا صور العريس في واجهة المسرح أو المنصة أو اللوج، صار سميح (فكرة) يزرعها عباس في قلب فتح وعقلها وضميرها وتاريخها، وكأنه يريد أن يرسخ أن لقبح فتح طلقة اسمها سميح، ليست لها وجهة إلا قلبك، فليكن كل أبناء فتح سميحاً، يجعلون من الموت (هواية) و(حرفة) و (مزاجاً) و( لعبة)، ومن وقع منهم في أيدي (القتلة) الذين هم أنت وصحبك، فلا عليه .. المال، السكن، الوظائف، الرتب، النياشين، وأنواط الشرف...ألا ترون ما ينعم به اسم سميح من مجد، وما يتمتع به ذوو سميح من نعيم؟

 

أن تصوير الفعل الإجرامي على أنه بطولة هو مدمر للوطن

 

وإن إدانتك بالخيانة والإرهاب والإجرام هو مدمر للوطن.

 

إن نية اقتلاع جذورك ومسخ صورتك وأصول ثقافتك، هو مدمر للوطن.

 

إن اغتصاب ضمائر شعبك ورضاهم، وخياراتهم تم سحقها بحذاء تجار الحروب، وفرق الموت هو مدمر للوطن.

 

أن يقود الموت لك (عربنجي) وينثره في كل الدروب، ويدق به كل قلب ووجدان هو مدمر للوطن

 

إن الديمقراطية غبية حمقاء، بائعة هوى، تستحق ألف خنجر اسمه سميح المدهون إن أخطأتهم، ولكن إن أتت بهم فهي الأريبة الذكية، والواحة الغناء سليلة الحكماء، فإن هذا أيضاً مدمر للوطن.

 

وهذا يقود إلى سؤال: ماذا أنت فاعل؟

 

إن انتشار سميح (كفكرة) هذا مدمر، لا تطيقه الأرامل والثكالى والحزانى ولا مشاعر من اكتوى بهذه الفكرة... فماذا أنت فاعل؟

 

وإن المهرجانات التي تتصدرها (الفكرة) لا تطيقها الأسماع ولا العيون، إلا من وافق مزاجه مزاج ( أم قشعم) .

 

إن صورة (الفكرة) على الصدور تبعث الغليان في صدور أُخَر، ويشعل في كل منعطف ناراً، وفي كل مقعد درس ناراً، وفي كل عربة ناراً وفي ... فماذا أنت فاعل؟

 

إن سميح كفكرة مثلت صراع مناهج وخيارات وانتماءات وإرادات، ولم تتوقف بإرواء غليل أم آخر ضحايا سميح، لا.. لا لم تتوقف.

 

كانت غزة مرشحة لأن تصبح مسرحاً للشياطين، وقابضي الأرواح لو لم تقف أمام (الفكرة) وكان عليك أن تقف، فوقفت. إذن، فلا صورة لفكرة تباع أو تشترى أو تحمل علناً، ومن خرج فقد أشعل عود ثقاب في استقرار الوطن.

 

ولتقر أم سميح في بيتها، ولتمسك عليها لسانها وإلا فإنها ترتكب جريمة لا مناص من الوقوف في وجهها قبل أن تلد(أشأم مولود) في جنبات هذا الوطن.

 

ونعم وألف نعم للحرية، ولكن المنضبطة، الهادفة، البناءة، التي تحمي حمى الوطن، ولتطفأ النيران ولتقطع أيدي مشعليها، ولتوأد الفكرة الوثنية التي قفزت من رأس ( العربنجي).

 

وهنا أتوقف لأعود للحديث غداً إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله...