السيد الرئيس أعانك الله(29)

نشر 11 اغسطس 2009 | 03:04

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

عرضت بالأمس لإعدام حسين أبي عجوة ، وقد قلت لك كان لهذا اليوم ما بعده, فلقد اجتاحت مشاعر الغضب والحزن والألم والنحيب كثيراً من العقول والقلوب، فحسين يمثل جيلاً تحصــَّل بالكد والجد على أرفع الدرجات العلمية، هذا الجيل الذي فتح عينيه - أو بالكاد - على وطن مثخـن بالاحتلال وحرابه ، فرآه سالباً كرامته ومنتهكاً حرماته ، وناهباً خيراته ، قاتلاً، مجرمًا، لا حرمة لشيء عنده، حتى المصاحف يدوسها جنوده ساخرين وباحتقار للنبي، جفف منابع الحياة فيه، فهام أبناؤه وبناته على وجوههم وقد عض الجوع أمعاءهم، وزحفت الشيخوخة إلى وجوه شبابه, وهربت نضارة الصبا عن محياهم ، يملؤهم الهم ، فتح هذا الجيل عينيه – أو كاد – على والده يخرج في الهزيع الأخير من الليل وإلى أين ..... ؟؟؟ ( سوق العبيد ) ليشفق عليه أو يجره صهيوني ليعمل في أحطـِّ الأعمال وأخسِّها – وهو الكريم ابن الكرام - ليعود وقد نام أولاده فلا يرونه ولا يراهم إلا لماماً، فكـَرِه كل ذلك، امتلأ حتى مشاشته نقمة وأملا بالخلاص، جيل يحدِّث نفسه صباح مساء بالثورة و الإنعتاق ، جيل يرى المترفين الذليلين وقد تقاطعت مصالحهم بدوام الاحتلال ، فـَكرِه الاثنين معاً ، كرِه التزلف والتمسح ، والتميع ، والركون ، كرِه الزعامات الغبية التي قادها عجزها واستبدادها وفسادها وانحرافها إلى التفريط ؛ بدعوى إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وإلى مستنقعات الانحلال بدعوى المدنية والانفتاح حتى ليصل بأحدهم أن يستقبل واحدة من الساقطات المحترفات الجاسوسية والرذيلة تحت سلم طائرتها التي حطت في أرض وطنه ليقبـِّـلَ أطراف أصابعها وهي الصهيونية المجرمة التي ترى في غير الصهيوني جُـعـلاً أو سعدانا أو جرذاً أو صرصاراً ، كانت ( إليزابيث تايلور) ممثلة ( البورنو ) الشهيرة تزدري العرب ، وتحتقرهم ، وترى في الصهيوني ( سوبرمان ) الذي يمثل الحضارة والمدنية ، وترى  في ( إسرائيل ) جنة الأرض، ودولة الديموقراطية، وترى فيمن حاربهما التخلف، والإجرام، والهمجية، فهم الحشرات والزواحف والتفاهات .... يستقبلها الزعيم العربي – بترحاب - استقبال الفاتحين ، وقد تطابقت ولاءاتهما  ومشاعرهما وتدبيراتُهما .

 

رأى حسين وجيله كل ذلك؛ فاحترق بنيران التصبـُّر والانتظار ، حتى ناداه صوت نحيل يهتف به هيــَّـا ( إلى الخلاص )

 

والخلاص يبدأ من هنا؛ من القلب والعقل معاً، من الإحساس بالعجز إلى الإحساس بالقدرة ، ومن الإحساس بالقيد إلى الإحساس بالحرية والوثوب، من الإحساس بالضياع واليأس إلى الإحساس بالرشاد وبالأمل، فما برح إلا أن أجاب، وسار في ركاب الإمام أحمد ياسين ، كان حسين صبياً ثم فتىً فشاباً فكهلاً كل ما فيه فكرة وحركة وانقلاب ، وكل ما فيه يبادر ، وكل ما فيه ينضج على فكر الشيخ الإمام ، و به .

 

رأى حسين جيلاً يـُدجَّـن، ويُـسحبُ على عقله، يحترفُ الهتاف، ويحترف الوقوف في اللاموقف، سراب النعيم  يخلب لبـَّه، والكسب الرخيص  يسرق منه إدراكه وتمييزه . ومن هنا بدأت المفاصلة ، وأنشأ حسين المسير ...حتى قطع منه شوطـاً ، توفر له فيه العلم ، والرغبة في المزيد ، كما توفر له العمل مع الشعور بالتقصير ، واحتل مكانة  والتزم بالتواضع، والثورة التي لا تستكين بباطن من فجور أو ظلم، كان ذلك كافياً أن يـُعدم حسين وهو راجع لتوِّه من مسجده و( حديثه) الذي صدح فيه بالحق، وأماط القناع عن الوجه القبيح ( فرق الموت ) ومراميها، وأساليبها، وجرائمها، واستنهض الهمم ، ونعى على الصمت والعجز . إذن، فليقتل حسين .....و قد كان .

 

إن في قتل حسين محاولة لقتل فكرة ومبدأ حياة وعقيدة، أو هكذا أرادوا .. إن في قتل حسين إرعاباً لجيل يمثله حسين، فلا يواصل السير على ذات الطريق ، أو هكذا أرادوا .. إن في قتل حسين تذكرة دخول إلى صالة كبار الزوار، عندما تأتي الجاسوسة، ممثلة (البورنو) ، أو هكذا أرادوا.. إن في قتل حسين إسكاتا لصوت المئذنة والمنبر والمحراب إلا أن يسبحوا بحمد الطغاة والمفرطين ، وتمجيد أفاعيلهم، كما يفعل تنابلة السلاطين ، الذين لا يعلمون للسلطان خطأً قط ، وأنه لا يخطئ قط ، حتى وإن نطق كفراً وفجوراً ، وأدَّب بغير أدب، أو هكذا أرادوا..

ولكن.........، خاب فألهم، فلقد كانت أهواؤهم بقتل حسين غير خافية على صحبه، والجيل الذي نشأ معه ، وفيه ، هذا الجيل الذي رأى الاحتلال ومكائده، ومصائده ، ومصائبه ... ؛ فكرهه ، وتحداه ، وحدث نفسه بالعمل على الخلاص منه والانعتاق من التبعية له، كما رأى الأذناب و ( الدلاديل ) الذين يصدق فيهم قول القائل :

 

أرانب إن تعرَّض أجنبي ***  وهم – أبداً – على أهلي أسودُ

 

فكرههم .

كره سوق العبيد وخروج أبيه إليه، كره سقوط جاره في حمأة الرذيلة ، ومستنقع العمالة (باستيل ) الصهاينة ، الذي يطبق على أعناق الأحرار، وعشاق الحرية، كره تلك الوجوه الصفيقة ، التي تتلون كالحرباء، مكراً، وخديعة، وجبناً، وعجزاً، كره السكون والساكنين، وكره التثبيط والمثبطين ، كره المتعجلين المكسب الرخيص، حتى وإن كان إهدار الكرامة والرجولة والحياء هو الثمن ...ومن هنا كان في مقتل حسين دافعاً، كان مقتل حسين دافعا ً لبدء العمل تجاه (قلاع فرق الموت ) كان وتر القوس قد انْـشَدَّ إلى مداه ، ولم يعد فيه منزع، كان مقتل حسين إيذاناً لأصابع تمسك بالسهم، الذي يوشك على الانطلاق ..أَنِ اتركيه لينطلق .

 

ترسخت لدى هذا الجيل – وأنت منهم – أن سلاسل الغدر من ورق ، لم يبق غير هبَّـة فتحترق ، تقول : شعبنا انطلق ... ستحترق .. سلاسل الغدر من ورق . تلك الكلمات التي خرجت من فم فلسطيني اسمه ( معين بسيسو ) .

 

فحتى لا يسقط حسين وثالث ورابع ، وحتى لا ينضاف إلى قوائم أطفال الشوارع آخرون ... وحتى لا يزيد عدد الثكالى ، والأرامل ، والبواكي، البائسات، كان القرار.

 

أراني أتوقف ، لأستأنف الحديث في يوم غد ٍ إن عشت (أنا ) لغد بمشيئة الله ،،،،،،