بقلم: د. عطالله أبو السبح
لم يتوقف الكيد للجامعة، ولم تتوقف هي عن السير، بل والصعود إلى المعالي، كانت خياماً، ثم بركسات مسقوفة (بالاسبستوس) ثم مبان شاهقة، كأنها أشجار السرو، أقبلت القلوب على الجامعة والعقول، كثيرون هم الذين يرون في الجامعة حصن أمان لأولادهم، وسعيد منهم من ألحق ولده فيها، وسعيد كذلك من التحق، شهد لها المختصون، والمراقبون، حتى جاءت على رأس الجامعات الفلسطينية، تميزاً وانضباطاً وكيفاً وكذا كماً، فقد احتلت السبق عن جدارة واستحقاق، ومن بين مئات الجامعات العربية - إن لم تكن الآلاف- جاءت الجامعة في المرتبة الرابعة عشر، طلاب الأمس تسلموا قيادها، بعد أن حملوا الدرجات العليا (الدكتوراة والأستاذية)، تخرج فيها العلماء والأدباء، وبهروا أعين الدنيا بأشعة علمهم، وإخلاصهم... ومنهم أنت، ولا شك، حتى خصومك يشهدون لك بالفضل، فاحرص عليه... هذا الذي أجج نار الحقد في قلوب الشانئين، فكانت الحرائق تلو الحرائق مع اختلاف النيران ما بين المبنى والمعنى، والحقيقة والمجاز، وكانت نار ذوي القربى أشد نكالاً من غيرها.
أتذكر، وأنت كنت أحد أمنائها، يوم أن هُدم الجدار الفاصل بين الجامعة وجارتها، من البداهة أن يُبنى من غير ما أخذ ولا رد، ولا يلزم من ذلك موافقة أو اعتراض، ولكن هل بنى الجدار؟ سياق الحديث يقضي أن نعم بُني الجدار، وما يلجئ لذلك أن طالبات الجامعة يتعرضن للأذى، كم من سفيه نال (حُرَّة) بأقبح لسان وأفحش لفظ، ونظرات ذئاب أو (...) وكم من هدوء قد هاجه صخب صغار، وفوضى همل!!! وكم من زجاج قد تحطم بفعل فاعل عن سبق إصرار وسوء نية!! وكم من أستاذ قد خدشوا هيبته، وأضحكوه لشرور بلاياهم!! حتى وصل الأمر إلى أن يعتلى حقير سطح الجارة وينزع عنه ملابسه، فتبدو سوأته!! وسط تهليل استحسان، وعلامات نصر، من حزبه، الذين استخف عقولهم مشهد العرى، فأخذ يقذف الجامعة؛ مبان، طلاباً، موظفين.. بالحجارة الثقيلة حتى نحطم زجاج قاعة المؤتمرات الكبرى (زهرة الجامعة المتفتحة اليانعة) وعند مراجعة أصحاب القرار، لووا رؤوسهم وصدوا عن رجالات الجامعة صدوداً... لهذا الحد!! وهل بعد هذا الحريق حريق؟! وهل بني الجدار؟! لا لم يبن – لحينها- الجدار؛ فكان الأخذ والأخذ، شروط ثم شروط فشروط... لا بد من تقاسم ملاعب الجامعة! أرض الجامعة واسعة، إذن فنأخذ منها!! قاعات الجامعة، مختبرات الجامعة... و... وما أن يكون اتفاق حتى ينقضه صبى الحي الذي لا يحلف إلا بالطلاق، ولا يطيب له القسم إلا وسيجارة بطول النكبة وثقلها، تتراقص على زاوية فمه الصّدئ، لا تعرف لهم أباً يُهاب، أو كبيراً يوقر، أو آمراً يطاع، يخرج رجال الجامعة، وبين أيدهم ميثاق شرف بالوفاء، ويشرعون - عند الصباح- بالبناء، وتأتي لحظة التنفيذ (عمال، مهندسون، مقاولون، شاحنات، باطون،...) فإذا بصبي الحي يخرج على كل ذلك بسلاح ناري رشاش، ويرغم الجميع على الرجوع، ويفسد كل شيء... وتهدر أموال، وتتوتر مشاعر، ويزداد الاحتقان، وينعقد العلقم في حلق الجامعة، وتنهمر المشاعر قهراً وألماً وغضباً، ولكن الحكماء، وقد فاض الحِلم، يسوسون كل ذلك بمزيد من الحِلم، ومزيد من الإعذار، ومزيد من الصبر، وتبدأ حركة الحوار من جديد، شروط وشروط وشروط فشروط.. هي.. هي الصورة (المكرورة) التي كم قاسيت منها هنا، وفي مكة، وفي القاهرة، وفي القاهرة، وفي ألف قاهرة حتى جاءت لحظة رضي صبي الحي، ورقصت سيجارته البطول النكبة وثقلها على الجانب الآخر من فمه، وأذن بالبناء، وبني الجدار بعد عذابات وعذابات استغرقت أشهر مديدة، واستخلص من استخلص، فلتنتهك محارم الحي، ولا خصوصية لأحد، وكل شيء مستباح، وكل أمر هم لصاحبه شركاء، كانت أياماً نحسات، حار فيها العقل، وكادت أن تطيش سهام، وكم تبادل أبناء الجامعة:
إلى متى؟؟؟
ومن لم يَذُد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم كثير من أبناء الجامعة يعرفون الكثير من مركبات شخصيات أولئك وأسرارهم, ودوافعهم، يعرفون نزواتهم، وعبثهم، ويميزون ما بين الشجاع والجبان، بين الشهم وبين النذل، بين الرأس وبين الذنب.
ويدركون أن الشجاع الشهم الرأس لا يرتع كما يرتع من ليسوا على شاكلتهم، وأما الجبناء الأنذال الأذناب فهم الذين لا تخلو من أياديهم عيدان الثقاب، كان الأولون ينكرون على الآخرين، ولكن سرعان ما تذهب أصواتهم أدراج الصخب وبذيء الكلام... كم من شريف أبى، ولكن الطبول الجوفاء تصم الآذان، فلا يسمع للشرفاء إباء، وكم من غيور (محسوب عليهم جسداً وإسماً) تأججت مشاعل الغيرة في صدره، ولكن (سقاعة) الصبيان (غَلاّبة)، إذن، لم تكن نيران حرس الرئيس إلا واحدة الأثافي لا ثالثتهما.....
وأراني في حاجة إلى التوقف، لأستأنف الحديث يوم غدٍ إن عشت (أنا) لغدٍ بمشيئة الله.