بقلم: د. عطالله أبو السبح
ناس تموج، وفي أعينهم أمواج متلاطمة من الحزن الباكي، ينثر دموعاً من الغضب، وبين هذه الأمواج وتلك أخذت طريقي إلى صومعة الناسك الزاهد... كان الوصول إليه محفوفاً بالأشجان والأسى وأيضاً بالدموع، رجال تبكي، فتية تبكي، صبايا، وشباب، كلهم يبكون بصمت، حتى أصبحوا دموعاً، يقرأون بذهول (حرس الرئيس مر من هنا) على جدار صدعته نيران حرس الرئيس الذي مر من هنا.
وعلى جدار آخر أشد تصدعاً، وقد اكتسى بألسنة من اللون الأسود جاءت مبعثرة بغير ما انتظام عبارة (حماس الت... كلمة نابية جداً) أبواب خشبية منهارة، وزجاج مهشم يملأ المكان ويسد الطرقات، وأكوام من الحجارة المحطمة كانت - يوم أمس- تشكل بناءً يزهو المعماري بإتقانه، ويشد أنظار الزوار، الذين يقدمون من جهات الدنيا الأربع قبل أن يشهدوا بأن هنا معلماً حضارياً يضاهي بل ويبز غيره في كبريات جامعات الدنيا.
نعم كان الوصول للأستاذ الدكتور أبي مالك (محمد شبير) الذي كان (ولا يزال) رجلاً في جامعة، وجامعة في رجل، صعباً جداً. وصلت إليه والمشهد المأساوي أنساني صعوبة الوصول، يجلس على كرسي أكلت جوانبه نيران (حرس الرئيس)، كانت على شفتيه ابتسامة حزينة، حزينة، وبكبرياء الناسك الزاهد قال أبو مالك: (كله بتصلح إن شاء الله) ثم (حسبنا الله ونعم الوكيل). الحديد المصهور بنار (حرس الرئيس)، ودوارق المختبرات قد تكسرت فاندلقت روائحها في تلافيف المكان، بعد أن أمدت (ألسنة الحرس) بما يؤجج النيران في الكهرباء، والمواقد، وأنابيب الغاز، والبنزين والزيوت الطيارة.. لهب... لهب.. أكل قلب المكان وأطرافه ورأسه، دمر كل شيء... ويقف هناك وقد أجهش بالبكاء، وسط الركام والدمار والحطام، والشظايا والعبارات (....) و(حرس الرئيس مر من هنا) يقف رئيس مجلس الأمناء الذي حفيت قدماه مع شقيقه أبي مالك في رحلة بناء كيان الجامعة، وانبرت ألسنتهما، شرحاً، وبياناً، وتخطيطاً، وإفهاماً لكل محسن شريف وحر غيور؛ ليساهم في بناء الجامعة، كان أبو الناجي حاضراً، - ولا يزال- في كل زاوية، وكل قاعة، وكل تخطيط، وكل مساعدة، وكل إعفاء، وكل كفالة، وكان حاضراً في كل شهادة تحصَّل عليها طالب في كليات الجامعة العشر، وفي عشرات الفروع والتخصصات. أخذ أبو الناجي يبكي - كل ذلك- بحرقة، ويسأل، كما كان يسأل عشرات الألوف من الباكين الحزانى: لماذا يحرق حرس الرئيس الجامعة الإسلامية؟ ولماذا الكذب الفاضح أن خبراء متفجرات إيرانيين في أقبيتها؟ لماذا..؟ أيريدون أن يعشش الجهل؟ أيريدون سحق طموحنا؟ أيريدون أن نظل ذيليين لغيرنا؟ لماذا يحرق مختبر الجينات الذي تكلف مليون دولار وليس له نظير إلا في (هداسا) وأخواتها؟ أيعز عليهم أن يرحم د. عبد المنعم لبد امرأة فلسطينية، فلا تبيع أسورتها لتدفع ثمنها (لصهيوني) لقاء اختبار جييني فوفرت له الجامعة الجهاز، فجاء (حرس الرئيس) ليشعل في قلبها ناراً بعد أن أشعله، فضج الصهيوني بفرحة دونها دخول رابين القدس غازياً، ماذا يريد حرس الرئيس من إحراق عشرات المجاهر، والشرائح، والعينات؟ ماذا يريد حرس الرئيس من إحراق المكتبة؟ ماذا يريد؟ أيريد إحراق عقول، ومخترعات، ومناهج، وتاريخ؟ أيريد أن يعود الناس إلى حالة من الهمجية والغباوة والضلال؟ أيريد (حرس الرئيس) أن يمحو همزة الوصل مع علماء الدنيا فيظل الشاب حبيس قمقم اسمه (غزة) لا يحور فيه ولا يدور؟ أهذا معقول؟ ماذا يريد حرس الرئيس، وما ذنب مطبعة الجامعة فتأكلها النيران؟ أطنان الأوراق، عشرات أجهزة الحاسوب، عشرات الآلات، مخازن اللوازم، أتحرق في أقل من نصف ليلة؟ وما تلك الليلة السوداء التي عششت في أدمعة حرس الرئيس؟ لماذا يحرق (حرس الرئيس) المنجرة، ويصهر المناشير، ويصهر الخشب؟ لماذا... لماذا..؟ آلاف الأسئلة تطرحها دموع الباكين؟ ألأنها إسلامية؟ ولماذا هذا الصخب الإعلامي في التكذيب والتخوين والادعاء؟ وأي (حرس رئيس) هذا؟ كيف نشأ؟ وكيف تربى؟ وكيف تعلم؟ وممن تعلم هذه القسوة؟ وممن تعلم الاستبداد؟ كيف أقنعوه ليحرق الجامعة؟ وكيف أغروه بحرقها؟ كيف يحرق هذا الجمال، وهذا الإبداع، وهذه الحضارة؟ بماذا سيجيب رئيس (حرس الرئيس) على هذه الأسئلة لو طرحها عليه الصغير بوش؟ وكيف سيرد إذا ما هنأه شارون أو أولمرت عليها؟ كيف سيرد؟ ماذا سيقول عند أول عتاب منك؟ وبماذا سيرد إذا ما طلبت التحقيق في الذي جرى للوصول لمن أجرى؟ بماذا سيرد؟؟
هل سيقول لك: لأحرق قلبك؟
هل سيقول لك: لأصرف عنك الأتباع والأنصار والأصحاب؟
هل سيقول لك: لأدمر أحلامك وإرادتك وحرصك على بناء جيل؟
ماذا سيقول؟ ماذا سيقول؟؟
ماذا سيقول لو ذكَّرته بثنائه على الجامعة وسيرتها وشموخها وتميزها؟ ثم تسأله: ألهذا (حرقتها)؟ ماذا سيكافئ الرئيس (حرس الرئيس) ضباطاً وجنوداً؟ هل سيقلدهم أنواط الشرف والفروسية والبطولة لأنهم أحرقوا الجامعة؟ أم هل سيمصمص شفتيه ولا يحرى جواباً؟ هل سيشعر بالخزي أم سيشعر بالندم؟ أم سيشعر بالفخار؟
ماذا سيقول لوقور الجامعة ورجلها الأمين الدكتور كمالين شعت، الذي يقودها بعد أن قادها ناسكها وزاهدها أبو مالك، إذا ما سأله: أأنت الذي أعطيت القرار؟ ماذا سيقول؟ رحماك ربي..... كم حطم حرس الرئيس من قلوب، وكم داس من معانٍِِِِِِِِِِ!!
رحماك ربي كم شان حرس الرئيس .... و........... و.......
وهنا أجدني قد توقفت لعلي أعود للحديث يوم غدٍ إن عشت (أنا) لغدٍ بمشيئة الله.