بقلم د. خالص جلبي
قد لا أبالغ إذا قلت أن كل واحد من عشرة من السودانيين اسمه عثمان أو في عائلته اسم عثمان، وأنا رجل أحب السودان، وأعجب بحدة طبعهم واعتدادهم بأنفسهم، وتكومهم على أنفسهم ولو كانوا قلة في أي بلد وطنوا.
قلت لناجي وعبد العظيم وهم يسألون عن مهنة الطب والكتابة؟ قلت لهم الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، فقد استرحت من وعثاء السفر، والتوتر والمسئولية أمام الله قبل العباد، ولجان التحقيق المزعجة، وليالي الرعب الدموية..
مع هذا فقد ساعدنا الكثيرين، ولم يكن العمل الطبي ـ الذي ودعته غير مأسوف عليه ـ في الجانب الفني، فهذا أسهل فقرة في النص الطبي، ولكن جو العمل الجهنمي، فعندما يتصل بك زميل اسمه (لالا شوترا بومبي) الساعة الثانية صباحا من مسافة 350 كم، فلا تكاد تبين ما حولك وتفرك عيناك؟ ليقول أن عنده حالة لابد من تحويلها؟
نعم يا دكتور ماذا؟؟ كرر الاسم رجاء؟؟ شوترا بومبي لالا ؟؟
حسنا يا دكتور بومبي؟ ما المريض ووضعه؟؟
عنده كسران في الفخذ الأيسر، كسر متبدل في الساق الأيمن، خمس أضلاع مكسورة مع انصباب دم في الجنب؟ خلع في الكتف الأيسر، تمزق طحال، فتحنا البطن وسيطرنا على الوضع، وضعه حرج غير مستقر، كليتاه مضروبتان، سكره يحلق في الغمام، يسبح بين الموت والحياة، رجله اليمنى باردة ونظن بإصابة وعائية فيها؟؟
شعور غريب يعتريك فتتذكر الآية من سورة القمر:
فدعا ربه إني مغلوب..
ثم تبدأ المعركة.. البيروقراطية قبل الفنية:
سرير في العناية المركزة، في معركة طاحنة، لتحصيل سرير غير موجود بالشفاعات والوساطات والرجوات وبوس الأيادي.. غرفة العمليات، الدم، المخبر، توقيع الأهل على خطورة العمل الجراحي، الاتصال بفريق العمل من اختصاصات شتى.. قصة لا تنتهي..
كنا في ألمانيا نعرف بوجود قسم خاص متخصص بالحوادث، وكان علينا أن نمارسه وهو غير موجود؟؟
وهكذا فكنت أصلح الشريان المصاب، وأبدأ بحمل جبل من المشاكل فوق رأسي، في جو من زحلقة الحالات، وتفريق دم المريض بين القبائل..
كنت أتذكر الجو الألماني فأقول يا حسرة على العباد!! وأقول للمقيمين من حولي، لن تستوعبوا مهما شرحت لك كيف يمشي العالم من حولكم، فأنتم مثل قصة أتراه كالفأر يا أبت؟؟ تلك التي ذكرها ابن خلدون في مقدمته، عن الوزير المسجون مع ابنه، فكان إذا سأله عن البعران والحلال والطرش والجمال شرح له شكله، وإذ كان ابن الوزير لم ير في السجن سوى الفئران السارحة فكان مع كل شرح يردد: أتراه كالفأر يا أبت..
مع هذا فإن بعض الحالات تذكر بأثر العمل الطبي الدقيق، كما حصل مع صديقي السوداني عثمان، الذي حضر الإسعاف، وقد بدأت ساقه في الشلل مع ألم وبرودة في الطرف، وكان التشخيص أن قلبه الذي يرجف بأغنية نشاز قد قذف إلى المحيط جلطة، وكانت العملية ضرورية إسعافية، وهكذا أخذناه للعمليات فورا.
وعند الانتهاء من تنظيف شريان الطرف السفلي الأيمن دققنا في الطرف المقابل، خوف أن يكون قد أصابه ما أصاب الأول، وهو من تمام العمل وإتقانه، فصدق حدسنا ففتحنا المكان المقابل، وقمنا بما قمنا به من الطرف الأول المصاب بفارق كشفه بسرعة؟
وفي الصباح قال صديقي السوداني عثمان: لقد أخذتم إقرار مني بعملية في الأيمن فأرى جرحين؟
قلنا له لأنك كنت نائما، ونحن أصابنا العمل بنصب وعذاب فلم تعرف أجفاننا الكرى؟ فاركض يا عثمان برجلك هذا مغتسل بارد وشراب..
ونجت سيقان عثمان من البتر؟؟ فلو صدفه الحظ؛ فكان مع الجنجويد في دارفور، لربما كان حظه أن يمشي بساق خشبية بقية حياته، مثل الكابتن سيلفر في قصة جزيرة الكنز؟.
تحياتي لك ياعثمان أينما كنت، ولك كل الحب يا صديقي السوداني...