والناس يقضون حياتهم حتى يموتوا بين اللغو والكذب، والثرثرة والاغتياب، يلهيهم التكاثر حتى يزورا المقابر..
والعلماء يغرقون، فلا يكاد أحدهم يتفطن لطعام أو حمام، وهذا كان دأب أرخميدس، الذي لمعت الحقيقة في دماغه وهو في الحمام..
إن الاستغراق شيء عجيب، والقرآن يقول إذا تفيضون فيه، وأرخميدس استحوذ عليه السؤال، الذي طرحه عليه الملك (هيرون الثاني) حاكم صقلية يومها، أنه أعطى الصائغ كمية محترمة من الذهب لصياغة تاج، فهو في ريبة من خلط الصائغ، الذهب مع المعادن الخسيسة، فهل من سبيل لمعرفة الحقيقة؟
إنه سؤال عجيب؛ فكيف يمكن الآن فرز ذرات الذهب من النحاس والفضة، وقد أصبح الكل في سبيكة واحدة لا ترى فيها عوجا ولا أمتى، فلا يستطيع أحد أن يميز فيها الصحيح من المغشوش؟
حين فكرت أنا شخصيا في المسألة، قلت الطريق لذلك هي المفاعلات النووية لاستخراج اليورانيوم 235 ، كما فعلت أمريكا مع أول سلاح نووي لها، قبل أن تقع القنبلة الذرية فوق رؤوس أهل هيروشيما التعساء، الذين احترق منهم في عشر دقائق مائة ألف من الأنام؟
بعد أن أمكن نقل وقود الشمس من باطن الشمس إلى ظهر الأرض، بدرجة حرارة مليون درجة!!
يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران؟
ولكن أرخميدس وقبل أكثر من ألفي سنة وصل إلى الحل بطريقة عبقرية جداً، وبدون مفاعل نووي، وكان ذلك حين دخل بانيو الحمام الطشت، فشعر وهو يغطس وكأن قوة خفية تدفعه من تحت لفوق، والماء من فوقه يخرج من طشت الحمام، فبزغت شمس الحقيقة في تلك اللحظة؛ فقنص قانون طفو المواد في لحظة جدا عبقرية القانون الذي يقول:
'إذا غمر جسم في سائل، فإنه يدفع من أسفل لأعلى بقوة تساوي وزن السائل المزاح'
ولفهم هذا فيجب تصور الميزان، وفي كفة كيلو من الحديد صغير الحجم مقابل ليتر من الماء وفيها 1000 سنتمتر مكعب من الماء، إن هذا الحجم الصغير ذو الكثافة العالية عادلت في الكفة المقابلة حجما كبيرا من الماء.
فإذا دخل كيلو الحديد في الماء؛ فإن قوة الدفع ضده ستكون بمقدار أقل بكثير من وزن الحديد، لأنها ستدفع ما يقابلها من الماء، ربما أقل من 100سنتمتر مكعب وهي أخف من الحديد؟
بكلمة أخرى ثقل الحديد سيكون أكبر من دفع الماء من الأسفل للأعلى، فقوة دفع الماء 100 ووزن الحديد ألفا؟ وهذا يعني أن الحديد سيهوي إلى الأسفل، كما حصل مع سفينة التيتانيك التي هوت إلى القاع في عشر دقائق، وهذه أيضا لها شرحها المفصل.
إذا فهمنا القانون فهمنا ثلاث أمور:
ـ كما نفهم لماذا يطفو الخشب ويغوص الحديد؟
ـ ونفهم ثالثا لماذا كانت التيتانيك فوق الماء فنزلت إلى القاع؟
وكل ذلك من قانون أرخميدس العبقري..
فأما طفو الخشب فلأن كمية الماء المزاحة وزنها أكثر من الخشب فطفا، ولأن التيتانيك كانت حاوية من الهواء، فكان الماء المزاح يعادل الهواء في بطن السفينة، فلما دخل الماء إلى التيتانيك أصبحت قطعة من حديد فوجب أن تهبط إلى القاع.
وأما كشف سر التاج فهو غطسه في الماء، وأخذ كمية الماء التي تزيح، ثم وضع التاج المغشوش، فسنرى بكل بساطة تحت نفس القانون، أن الماء المزاح المعادل للذهب الخالص، هو أقل من الماء المزاح المقابل للتاج المغشوش؟
وهو ما أصاب أرخميدس بمس من الجنون؛ فترك الحمام و(الطشت) البانيو، وخرج عاريا وهو يصرخ: لقد وجدتها وجدتها، باللغة اللاتينية أوريكا أوريكا (Eureka)..
ومن غرائب الدهر، أن هذا العبقري عاش في زمن الحروب العالمية القديمة البونية بين قرطاج وروما، فدفع حياته ثمنا لهذه الحرب الضروس، وختم حياته ضربا بالحسام بيد جندي روماني.
ويعلق الفيلسوف البريطاني باول ستراتهيرن: كانت مساهمة روما الوحيدة في الرياضيات هي قتل عالم الرياضيات..
وحاليا ظهرت إلى السطح مخطوطة من يده، في رسالة موجهة لصديقه (أيراتوسثينيس) عالم الرياضيات في الاسكندرية حوالي عام 216 قبل الميلاد يحكي له روائع كشوفاته الرياضية..
وقد بيعت هذه المخطوطة لـ (جيفري بيزوس) ملياردير الأمازون محل بيع الكتب في الانترنت بمبلغ 2.2 مليون دولار، وكانت في حوزة عائلة فرنسية تمت سرقتها في الغالب من استانبول من معبد أرثوذكسي وربما اشتروها كما في قصة ملفات وادي البحر الميت بمال زهيد..
وهذا هو دأب الحرامية في كل زمان ومكان..
ولقد حاول بطريرك القدس عبثا، وفي محاكمتين، إعادة المخطوطة إلى مكانها، ولكنه فشل، وحين تدخل القنصل اليوناني في المزاد العلني، بقي يزيد، حتى وصل إلى 1,9 مليون دولار، والآخر بيزوس يرمقه بصمت بابتسامة ساخرة وهو يدخن سيجاره، ويزيد بمائة ألف في كل ضربة، فشعر أنه لن يقترب منه بحال؛ فقد نوى على أخذ المخطوطة بكل ثمن، وفعلا بعد أن اشتراها بيزوس أرسلها إلى المتحف الفني في بالتيمور، حيث وضعت أحدث التقنيات المعاصرة لقراءة كامل الوثيقة، وهو الذي كان وقد صدر كتاب يتضمن كامل الوثيقة والتجربة..