بقلم: ياسر الزعاترة
من الواضح أن الذين أربكتهم قنبلة القدومي ووضعتهم في زاوية حرجة قد مالوا إلى استخدام كل الأسلحة المتاحة للرد عليها، وقد تابعنا بيانات من أطراف يصعب حصرها محسوبة على حركة فتح تندد بخطوة القدومي، وهي بيانات ليست موجهة لعناصر الحركة الذين يعرفون أكثر من غيرهم كيفية إصدارها (بيان اللجنة المركزية أصدره عضو واحد دون استشارة الآخرين)، بل توجّه للرأي العام الفلسطيني، لا سيما المناصر لحركة فتح بغية القول إن صاحب القنبلة ليس له وزن يذكر بين عناصر التنظيم، من دون أن يسأل أحد عن وزن الذين اتهمهم القدومي داخل فتح وبين الفلسطينيين عندما حاولوا الانقلاب عليه، وعندما كان العالم يفرض عليه تعيين الأول رئيساً للوزراء بصلاحيات كبيرة بعد تعديل 'الدستور'، وتعيين الثاني مسؤولاً للأمن بصلاحيات حقيقية.
آخر من رد على القدومي كانت السيدة سهى الطويل، زوجة الرجل صاحب القصية، أعني ياسر عرفات رحمه الله، إذ بادرت خلال الأيام الماضية إلى إصدار سلسلة من التصريحات للوكالات والصحف تندد فيها باتهامات القدومي، وتبرئ ساحة المتهمين. واللافت هو اعتبارها تلك الاتهامات تبرئة لساحة الإسرائيليين من الجريمة (هي ترى أن ثمة جريمة وقعت بالفعل، فلماذا لم تطالب بالتحقيق بها وقت وقوعها؟)، مع أن القدومي لم يقل إن شارون بريء، بل اعتبره صاحب الفكرة والمنفذ، وإن بتواطؤ من المتهمين إياهما.
والحال أن استدعاء رد السيدة سهى لا يبدو في صالح المتهمين، كما لا يبدو بحال ضد القدومي بصرف النظر عن صحة الاتهامات التي أوردها، والسبب هو أن (السيدة) ليست بتلك الشعبية في الشارع الفلسطيني، بخاصة إثر الشائعات التي ترددت حول الصفقة التي عقدت معها لتسليم حقيبة الرئيس الراحل التي كانت تحتوي أهم الأوراق المتعلقة بحركة المال الخاص بحركة فتح ومنظمة التحرير، وهي الحقيبة التي سلمتها بعد صفقة ذكرت أرقامها في عدد من وسائل الإعلام في ذلك الحين، مع مخصصات شهرية لها ولكريمة الراحل (ابنتها) الآنسة زهوة.
بوسع القدومي بالطبع أن يفضح الطابق على هذا الصعيد، فهو وإن كان بعيداً عن مطبخ القرار في رام الله خلال سنوات ما بعد عرفات، إلا أن شيئاً لا يبقى سراً في تلك الدوائر، والرجل له مصادره، كما أنه يعرف الكثير مما يمكن كشفه بشأن أموال فتح ومنظمة التحرير وقصة الصفقة إياها (يقال إن لديه وثيقة بخط يد عرفات تؤكد صحة المحضر الذي نشره)، لكنه لا يبدو في وارد الرد هذه الأيام، الأمر الذي يدركه من يواصلون الهجوم عليه، والسبب هو غياب الحاضنة السياسية لأي تحرك ذي سقف أعلى يمكن أن يبادر إليه، والخلل الواضح في ميزان القوى السياسي لصالح خصومه. وإذا صحّ أن دمشق قد اعتذرت عن استقباله في هذه الآونة (سيكون ذلك مؤقتاً بالطبع)، فإن وضعه سيكون أكثر صعوبة، فيما يستبعد السماح له بالتصريح مرة أخرى من عمان بعد تداعيات المرة السابقة، مع أنه لم يفعل ذلك في مؤتمر صحفي. ويبقى أن تونس البعيدة جغرافيا والقريبة سياسياً من الدوائر الأمريكية لا تصلح لنشاطات من هذا النوع، ولا تسأل بعد ذلك عن غياب أمثال صدام حسين الثمانينات، وقذافي السبعينات والثمانينات (مصر مع خصومه دون تردد)، فضلاً عن حقيقة أن لبنان لم يعد ساحة مفتوحة للحركة، حتى لو توفر التمويل من هذا الطرف أو ذاك.
كل ذلك يشجّع القوم إياهم على حشره في زاوية الحلبة ومواصلة تسديد اللكمات لوجهه في ظل ثقتهم بعجزه عن الرد، لكن ذلك كله لن يلملم شظايا القنبلة التي فجّرها، حتى لو كانت نتيجة المؤتمر السادس مضمونة لصالح خصومه، لاسيما أن ما قاله بشأن مستقبل الحركة تحت قيادتهم سيكون صحيحاً بامتياز، ولن يتمكنوا من إثبات عكسه حتى لو استخدموا لغة مواربة في أوراق المؤتمر بهدف التسويق، وبالطبع لأنه يعبر عن أصل برنامجهم السياسي ممثلا في الرفض المطلق للمقاومة المسلحة وتحويل فتح إلى حزب سلطة وفق مقاس الشروط الدولية الإسرائيلية كما ذهب حسام خضر، الأسير المحرر، ونائب فتح في المجلس التشريعي.