عندما خرجت بعض وسائل الإعلام صبيحة الثلاثاء (7/7) بخبر المحضر الذي قال فاروق القدومي، أمين سر حركة فتح إنه يؤكد تآمر محمود عباس ومحمد دحلان مع شارون والأميركان على قتل ياسر عرفات، مكثت ساعتين وأنا أبحث عن صحافي بعينه علمت أنه حضر اللقاء، وعندما تواصلت معه سألته عن صحة الخبر، فكان أن أكده عارضاً إرسال صورة المحضر، فرددت بأن لا حاجة لذلك.
حدث ذلك لسببين، الأول: عدم قناعتي بأن قرار قتلٍ من هذا الوزن يمكن أن يتخذ في اجتماع تكتب قراراته، أما الثاني فهو أن بوسع الطرف الثاني أن يرد بكل ثقة بأن ذلك محض كذب وتلفيق، ما يعني أن المهم في القضية كما قلت للصحافي هو ما إذا كان القدومي قد ألقى بالقنبلة أم لا.
والحق أن الرجل لم يفعل ذلك لأنه يريد أن يرتب على ما قال خطوة سياسية ذات وزن مهم، بل فعله بعد قناعته بأنه مشطوب من قيادة الحركة على أية حال، وبالطبع بعد قرار عقد مؤتمرها السادس في بيت لحم، والذي يشكل انتصاراً واضحاً لا لبس فيه لتيار عباس- دحلان، كما يؤكد أن الحركة ستغدو بعده حزب سلطة وليست حركة تحرر، وأن لا قيمة بعدها لوجوده فيها، هو الذي جاوز الـ70، وأن أقصى ما يمكن أن يفعله هو ممارسة بعض الرمزية من خلال بعض الفصائل المعارضة الموجودة في دمشق، وهو ما أكده عملياً لفتحاويين غاضبين جاؤوا يسألونه عن الخطوة التالية، والأمر هنا لا صلة له بعزوف الرجل عن الزعامة، وإن كانت للسنّ أحكامها، بقدر صلته بظروف موضوعية ليس بوسعه التمرد عليها.
الأكيد أن انشقاقاً داخل حركة فتح لا بد له من حاضنة سياسية، الأمر الذي لا يبدو متوفراً هذه الأيام، إذ لا وجود لصدام حسين في العراق، ولبنان لم يعد مفتوحاً كما كان من قبل، وليس بوسع سوريا الساعية إلى التواصل مع أوباما تحمّل ارتكاب «إثم» من هذا النوع، فيما لا تصلح إيران حاضنة سياسية بسبب بعدها، وإن كان بوسعها توفير المال، مع أن ذلك يبدو مشكوكاً فيه إثر أزمتها الأخيرة بعد الانتخابات.
للتأكيد على ذلك نشير إلى أن الرجل الذي أطلق قنبلته في عمّان، لا يزال فيها، رغم غضب النظام والأجهزة الأمنية عليه (هو لم يعقد مؤتمراً صحافياً، وإنما كان لقاء عادياً مع صحافيين بعينهم، وبالتالي لم يكن الأردنيون على علم بما سيقوله)، وهو لا يزال في عمّان لأن سوريا لم تسمح له حتى كتابة هذه السطور بالعودة، مع أنها ستفعل لاحقاً بعد هدوء الضجة.
الأكيد أن ميزان القوى الحالي يميل لصالح محمود عباس، والسبب هو أن حركة فتح حركة متفرغين، ومن يملك المال يتحكم بها، والمال رهينة بيد سلام فياض والمانحين الدوليين، ويمر بموافقة الإسرائيليين، وبالتالي سيكون المؤتمر انعكاسا لهذا الواقع، معطوفاً على دفع مصري لصالح عباس بهدف إرضاء الأميركان، لأغراض تمرير التوريث وصفقة السكوت على الإصلاح مع أوباما.
على أن نجاح محمود عباس في إتمام صفقة المؤتمر وتحويل حركة فتح إلى حزب سلطة على مقاس الاحتلال والجهات المانحة، لا يعني أن قنبلة القدومي لم تؤت أكلها في الواقع الفلسطيني، ذلك أن التأثير المعنوي لها كان وسيبقى كبيراً في الوعي الشعبي عموماً، والداخلي الفتحاوي خصوصاً، وسيزداد أكثر بعد النجاح بدل أن يتراجع بحسب اعتقاد البعض، وقد يؤدي إلى خروج كثيرين بهذه الصيغة أو تلك.
حدث ذلك لأن عدم إيمان الكثيرين بمضمون الوثيقة لا يغير في حقيقة أنها ذكّرت الجميع بسيرة الرجلين المتهمين مع المغدور (عرفات)، أكان بمحاولة الانقلاب المسلح عليه من قبل دحلان عام 2003، أم بالانقلاب السياسي بضغط الأميركان الذين فرضوا عباس رئيساً للوزراء ودحلان للأمن، ووصل الحال حد وصف عباس من قبل عرفات بأنه كرزاي فلسطين، كما ذكّرت بأن من يقتل المجاهدين لتمرير مشروعه، لا يستبعد عليه قتل عرفات أو سواه، وأقله التواطؤ مع القتلة.
هو وضع بائس من دون شك، إذ ستدخل القضية في متاهة خلال السنوات القليلة في ظل هؤلاء، بينما تنشغل حماس في تدبير أمر القطاع وإعماره ومعيشته، مع مخاوف جدية بتوصل عباس إلى صفقة نهائية مع نتنياهو سيدفع الفلسطينيون الكثير من الوقت والتضحيات حتى يتمكنوا من التمرد عليها والعودة إلى المقاومة من جديد.