كانت أياماً صعبة، بل شديدة الصعوبة، وتجربة كانت مريرة، حتى وصل الأمر بأوليائك الحميمين أن يتساءلوا: هل أصبنا في دخول الحكومة، أم أخطأنا!!
لم يحدث في التاريخ السياسي أو الدولي أن رئيس دولة يتعامل مع رئيس حكومته، التي كلفها، كما لو لم تكن، ويسند أدوارها ومهامها إلى فريق من بطانته، لم يحدث أن يجد وزير خارجية في حكومة ما –حتى لو كانت في بلاد الماوماو - ضرة له أو أكثر من ضرة، يجلس في مقعده من أوعز إليه رئيس الدولة، وأما وزير الخارجية الرسمي (فعليه) أن يجلس في صفوف المتفرجين، هكذا كان شأن محمود الزهار مع أبي اللطف آناً، ومع عزام الذي ينعته صحبه بالأحمق آناً آخر، لم يشركك عباس في سفر أو سفارة أو سياسة، فسفارات فلسطين أكثر عدداً من سفارات أمريكا، وليس للزهار فيها رأي أو مكان، وكان (يعلم) بذلك موظفو الوزارة بالفعل أو بالقوة؛ ولذا، فلم يأبهوا له. عندما كان عباس يراوغ ويراوغ ثم يراوغ وينتحل ألف سبب وسبب لتبرير ذلك، واضعاً ساقاً على ساق، وحاملاً (قداحته) يقف منتظراً، كلما فرغ من سيجاره أشعل له أخرى، وكم همس الزهار للسيد عمرو موسى والأمير سعود الفيصل ولا جواب أو استجابة ثم كان ما لا بد منه أن يكون، فلتترك (ضرة) الزهار المكان، وليجلس الزهار حيث وضعه شعبه. هي ديمقراطية عباس –يا صاحبي- التي لا تقر مديراً إلا إن كان فتحاوياً، حتى وإن لم يثق به شعبه، ولا وزيراً ولا وكيلاً ولا رئيس بلدية ولا حتى ماسح أحذية إلا إذا كان فتحاوياً، ولتذهب الحكومة التي أقسمت بين يديه اليمين مع يمينها إلى الزوايا والتكايا والصالونات كقطع الأثاث، وأشجار الزينة البلاستيكية التي لا روح فيها، هي فقط للديكور، جميلة أزهارها ولكن بلا رائحة، بديعة ألوانها، تنسيقها، خطوطها، يخالها من رآها أنها زهور بحق، ولكنها ميتة، هكذا أرادوا لحكومتك أن تكون، أصابوا رأسك بالدوار، لدوامات أحاديثهم عن الديمقراطية، والشرعية. وعند أول اختبار أمام الحقيقة تولوا وهم معرضون، وتركوك وحدك، وانفردوا، أدرك الموظفون بأن قراراتك لا طعم لها ولا لون أو رائحة، والسبب: السر الباتع لمراسيم الرئيس وطالبوك بالوفاء... وإلا، فلتذهب وبلا رجوع... كانت أياماً ثقال... لم تخرج من قطاع غزة إلا مرة واحدة ووحدك... لم يرك أهل الضفة إلا عبر وسيلة إعلامك الخاصة فحسب، ومحرم عليك الظهور في وسائل إعلام حكومتك!! والأدهى أنها كانت تهاجمك.. أيعقل هذا أن تلفزيون حكومتك (يردح) لك، يتوعدك؟ يبحث -بالمجهر- عن عوراتك، يجعل من هفواتك –المزعومة- كبائر، ومن إنجازاتك – إن كان لك إنجازات، -صغائر- بل، وتصرفات عفوية... فبالله عليك كيف صبرت؟ وكيف حلمت؟ كيف وألف كيف...؟
أغلقوا في وجهك المعابر والمداخل والوعود! أغلقوا الفضاءات، وكيف للفضاءات أن تغلق إلا بالمستحيل؟!! وقد فعلوا المستحيل!!!
أتذكر يوم جئت في زيارة تفقدية لواحد من المقرات؟ من الذي استقبلك؟ نعم جندي بسيط، وفي مكتب فرعي جداً، إلى أن جاء الضابط!! ظننت أنه رئيس الحكومة، وأنت الذي ينبغي أن تعطيه (التمام) كان الصلف مجسداً، وكان الذوق قليلاً، وكان الأدب (على الريحة) كيف؟! إنه السر الباتع لمرسوم الرئيس.. الرجل القوي، هكذا أرادوا أن يترسخ في الأذهان وفي الضمائر وأن يكتب التاريخ!! وأنت الضعيف، لقد تصرف ذلك الضابط بقناعة أنك (خيال مآتا) وأن أي قرار (عفوي) يلزمه، سيصطدم بصخرة المرسوم. ويتهشم!! إذن فلماذا الأدب، ولماذا الذوق ولماذا الانضباط؟؟!!
كانت أياماً ثقيلة.. بطيئة.. طاحنة كأحجار الرّحى... ولكنك كنت تبتسم... حتى لكلمات القائد المظفر.. والمنظر العظيم، اللعان.. الشتام.. الذي لا يرى فضيلة لفتحاوي قط إلا إذا رآك. عندها، فالفضيلة كل الفضيلة لفتحاوي حتى وإن كان (عدنان ياسين) وأما أنت فلا، والعفة كل العفة لأية ساقطة، لأنها فتحاوية، وأما بناتك فلا. الأمانة، الشرف، الوطنية... وأما أنت فبلا أمانة، ولا شرف، ولا وطنية... إذا نطقت، فقد نطقت كفراً، حتى ولو كنت تتلو القرآن، وإن هو سب الخالق، فهو على الحق.. هكذا ولا يزال عبد العزيز شاهين كذلك، فما دون فتح فهم الحقارة والدناءة والكذب... هذا إذا ظهرت أنت في مرمى لسانه ، ولكن إن لم يجد من يلعن (سلسفيل) آبائه، فتصبح فتح ورجالاتها وقادتها في مرمى لسانه.
أتذكر يوم وقف في واحد من (المحافل) التي نصبت لهجائك، فرماك بكل سخيمة، وبكل نقيصة... ثم شتمك حتى أوشك ظهر عباس أن ينكسر من الضحك، وعندما رمى (التنفيذية) بما رماها رقص قلبه (ولى عن التنفيذية –الميلاد، والدواعي، والفعل، حديث لا بد منه) وأنت بعد في أول الطريق... وأضراس صحبك تطحن الصخر، تصبراً، وأنى لهم التصبر!! ولسان حالهم (ألا تستنصر لنا ؟!!) فما كان يجرى عليك، هو ما تحدثه نسمة على خد وردة، إذا ما قيس بما يجري على أنصارك أو من أيدك إذا ظهر عليه عرض من أعراض التأييد لك، فإن كان مدرساً أو شرطياً أو إمام مسجد أو حتى شهيداً، فأي صبر عليهم أن يتدرعوا به؟ وأي حلم وأي تسامح!!!؟
يمر جيب على واحد من أنصارك، مرور العاصفة الهوجاء فيكسوه بالرمال، والشاب يتلو القرآن، فرد بنظرة استهجان، فنزل (الأشوس) من جيبه سائلاً سؤالاً بريئاً جداً (مش عاجبك؟؟) فقال الشاب:...
أراني في حاجة إلى التوقف، فاسمح لي.. لأستأنف الحديث في الغد إن عشت(أنا) لغد بمشيئة الله.