في الوقت الذي كان الوفد الأمني المصري منهمكًا عصر السبت الماضي في إجراء اللقاءات مع مُمَثِّلي الفصائل الفلسطينية في أحد فنادق رام الله، كان محمد دحلان القيادي في حركة ' فتح ' يُخَاطِبُ اجتماعًا تنظيميًّا للحركة في مدينة قلقيلية شمال غرب الضفة الغربية، مُطَالبًا بِضَرْبِ حركة حماس في الضفة الغربية بيدٍ من حديد.
لم يكن من غير المألوف أن يطلق دحلان مثل هذا التهديد؛ فمسيرة الانقسام الفلسطيني بدأت بعد خطاب مماثل ألقاه دحلان قبل عامين ونصف في ملعب اليرموك بغزة، لكنَّ ما يُلْفِتُ النظر بشكل خاص هو الدورُ الكبير الذي بات يلعبه دحلان تحديدًا في الحملة الإعلامية التي تُشَنُّ على حركة حماس في الضفة الغربية، مع أن قادة ' فتح ' هناك كانوا ينظرون بِعَدَاءٍ شديد لدحلان، ويتهمونه بالمسئولية عن سقوط قطاع غزة في يد حركة حماس، ولأكثر من عام حظروا عليه التحرُّكَ في الضفة الغربية والالتقاء بنشطاء ' فتح ' هناك.
من هنا، فإن الدور المتعاظم لدحلان في الحملة الإعلامية ضد حماس بمباركةِ قيادة ' فتح ' في الضفة الغربية يُدَلِّلُ على أن ' فتح ' غير مَعْنِيَّةٍ بتهيئة الظروف لإنجاح الحوار.
من هنا لم يكن من المفاجئ أن تنتهي مهمة الوفد المصري إلى فشلٍ ذريعٍ، رُغْمَ الرحلة المكوكية التي قام بها مُتَنَقِّلًا بين رام الله ودمشق، بعد أن رفضت ' فتح ' الالتزامَ بوقف الاعتقالات السياسية، ووقفَ عمليات التعذيب والإساءات لكرامة المعتقلين، واعتقال النساء وأساتذة الجامعات، ومصادرة الأموال الخاصة، وإغلاق الجمعيات الخيرية.
لذا؛ فإن كل الدلائل تُؤَكِّدُ أنه لم يعد هنالك طائِلٌ من عَقْدِ المزيد من لقاءات الحوار في القاهرة، فحركة ' فتح ' تتعَمَّدُ عدم إحراز أي تقدم في الحوار المتعلق بالقضايا الخلافية بين الحركتين حتى يَحُلَّ موعد الخامس والعشرين من يناير القادم، وهو موعد إجراء الانتخابات التشريعية.
فحركة ' فتح ' تفترض أنّ مثل هذا الواقع يُقَلِّصُ فرص حماس في إحراز نتائج كبيرة في هذه الانتخابات، على اعتبار أنّ عدم التوصُّلِ لاتفاق ينهي الانقسامَ الداخليّ، سيؤدي إلى بقاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وهذا بِدَوْرِهِ سيُحَسِّنُ فرص حركة فتح بالفوز ويُقَلِّصُ فُرَص حماس. من هنا، فقد شدَّدَتْ حماس على أن إجراء الانتخابات يجب أن يكون جزءًا من اتفاقٍ شامل، وأنها لا يمكن أن تتعاون في تنظيم الانتخابات في قطاع غزة، في حال تم تصميمُها من أجل إضْفَاء شَرْعِيَّةٍ على إخراج الحركة من العملية السياسية.
ومن ناحية ثانيةٍ لا يمكن إجراء الانتخابات في ظل القمع المتواصل الذي تشنه الأجهزة الأمنية ضد نشطاء حماس في الضفة الغربية، مع أنه أصبح من المؤكد أن الاعتقالات السياسية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة سلام فياض تأتي في إطار التنسيق الأمني بين إسرائيل والأجهزة الأمنية، ولا علاقة له بتاتًا بحالة الانقسام الداخلي الفلسطيني.
لقد أصبح ما يُسَمَّى بـ ' الحوار الوطني ' أداةً جديدة لتكريس الانقسام، فعلى سبيل المثال: ماذا يعني أن يتم تشكيل لجنة فصائلية مشتركة لإدارة قطاع غزة، مع وجود حكومتيْن منفصلتيْن في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما تقترح مصر؟
واضحٌ تمامًا أن الموافقة على هذا الاقتراح تَعْنِي التسليم بتكريس الانقسام، واللافت أنّ كُلًّا من إسرائيل والولايات المتحدة والأطراف الإقليمية تحاول استغلالَ الحوار من أجل دَفْعِ حركة حماس لمشروع التسوية السياسية، ولو بثمنِ رَفْعِ الحصار، والاعترافِ بحكومتها في القطاع.
فلماذا يُصِرُّ أبو مازن على وجوب اعتراف حماس بإسرائيل ونَبْذِها للمقاومة بوصفها إرهابًا، والتزامِها بالاتفاقيات الْمُوَقَّعة مع الكيان الصهيوني، في الوقت الذي تخرج الحكومة الإسرائيلية عن طَوْرِهَا في التشديد على رَفْضِهَا الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، حتى على 22% من أرض فلسطين التاريخية؟! وفي الوقت الذي يضع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو المزيدَ من الشروط التعجيزيةِ على السلطة من أجل الموافقة على مجرد الشروع في مفاوضات؟!
بالطبع فإن أبو مازن يتظاهر بأنه لم يستمع لما جاء على لسان المؤرخ بنتسيون نتنياهو؛ والد رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قال مقابلةٍ أَجْرَتْهَا معه القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مؤخرًا: إن نجله قد وضع شروطًا على الفلسطينيين؛ لأنه يَعِي أن الفلسطينيين لن يقبلوا بها، وبالتالي فلن ترى الدولة الفلسطينية النورَ في يوم من الأيام!
إذن أليس من الأجدر بأبو مازن أن يشترط على نتنياهو التراجُعَ عن مواقفه، بدلًا من محاولة ابتزازِ حماس؟
لقد بات الحوار كما هو واضح، يهْدِفُ إلى محاولة تدجين حماس، إما للدَّفْعِ بها إلى معسكر التسوية، أو على الأقل أنْ تَغُضَّ الطَّرْفَ عما يدور في كواليس المفاوضات، فحركة حماس باتت مطلوبةً بقوة لإكمال الجاهِزِيَّة الفلسطينية المطلوبة كاستحقاقٍ لمفاوضات سياسية تَسْعَى إليها إدارة أوباما، بحيث لا تلقى العملية التفاوضية معارضةً قويةً تعطيليّةً في الجانب الفلسطيني، فالأميركيون والمجتمع الدولي، وحتى العرب، باتوا يُدْرِكون أنه لن يكون بالإمكان إحرازُ تسويةٍ سياسِيَّةٍ للصراع تَضْمَنُ في الأساس توفيرَ الظروف المناسبة لخدمة المصالح الأمريكية في حال حافظتْ حركة حماس على وتيرة مُعَارَضَتِها الحاليةِ لهذه التسوية.