أمريكا اليوم دولة استعمارية توسعية، بـ 63 قاعدة عسكرية، تركب وتطيح وتشنق الديكتاتورين، وتصعق الماردين والمارقين بشرر كالقصر، من صواريخ توما هوك، وتضحك على المغفلين، وتشرب ربع النفط العالمي، وينتفخ سكانها من الهامبورجر، وهم لا يعرفون أين تقع فلسطين؟
أما بوش المودع غير مأسوف عليه فيذكر بفرعون الذي وقف في قومه فنادى: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين.
وما تنبأ به الخميني بسقوط الاتحاد السوفيتي بعد تورط برجينيف المقبور في أفغانستان، فهو أمر سوف يكرر نفسه مع روما الجديدة.
سنة الله في خلقه وهلك هنالك المبطلون.
والتاريخ يسعفنا بدروس ومن لم يستفيد من دروس التاريخ يكرر الأخطاء مع الفوائد المركبة.
في القرن الثامن قبل الميلاد كانت أثينا تنمو بجانب إسبرطة فامتدت عبر البحار إلى مستعمرات في صقلية وإيطاليا، ونمت فيها الثقافة والفن بجانب التجارة.
أما إسبرطة فلم تغير ونما شعبها على الحرب والقتال؛ فكان الطفل يؤخذ من أمه وعمره سبع سنوات، فينام على القصب ولا يغير ثوبه في السنة سوى مرة واحدة، أما الأطفال الضعاف فيرمون في كهوف في الجبال ليموتوا في أفواه الضباع، ولم يشتغلوا بالأرض واحتقروا المال، وكانت نساؤهم تقاتل مثل الرجال، وكان عشرون صابرون منهم يغلبوا مائتين.
وفي ممر ترمبولاي أوقف ثلاثمائة منهم جيشا فارسيا، من مائة ألف أو يزيدون، مدة ثلاث أيام حتى مات الثلاثمائة؟
وفي عام 431 ق. م وقعت الواقعة بين أثينا وإسبرطة فاندلعت الحروب البولوينيزية، واستمرت سبعة وعشرين عاما، انتصرت فيها إسبرطة ومدت يدها على رقعة واسعة من الأرض، ولكنها مع تمددها دمرت في ثلاثين سنة، فلم تقم لها قائمة وأصبحت سلفا ومثلاً للآخرين.
إن قانون موت الحضارات وانهيار القوى العظمى ينص عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي صيغ لأول مرة عام 1829م على يد الفرنسي (سادي دي كارنو Sadi de Carnot) الذي يقول:
'إن كل نظام معزول كلياً عن أي نظام آخر يميل إلى أن يصبح في حالته الأكثر احتمالاً وهذه الحالة هي الفوضى الكاملة'.
وتطبيق هذا القانون يعني كما يقول (ليونارد راسترينغ) في كتابه (مملكة الفوضى) أن:
' كل الأنظمة المغلقة غير منتظمة وتتحلل وتموت تدريجيا.
وهي تدعى في العمل الهندسي بالتآكل، وفي البيولوجيا الشيخوخة، وفي الكيمياء التحلل، وفي علم الاجتماع الفساد، وهي في التاريخ الانحطاط'
وحسب رؤية (توينبي) لنهاية الحضارات؛ فبقدر اختلاف انطلاقها بقدر توحد مصير إخفاقها.
وهو يرى أن ذلك يحدث ليس بسبب نقص السيطرة على البيئة، طبيعية كانت أم بشرية، أو انحطاطا في الأساليب الصناعية أو التكنولوجية. كما لا يرد الانهيار إلى عدوان مهلك يشنه خصوم دخلاء. كذلك فهي ليست من فعل التشيخ الكوني، وليست إعادة عابثة لقوانين الطبيعة الجامدة. بكلمة مختصرة لا تموت الإمبراطوريات على يد قاتل بل بعلة الانتحار الداخلي.
والقرآن له طريقته في الدخول إلى الحدث التاريخي؛ فيقطع منه امتداداته في الزمان والمكان والأشخاص ويدخله إلى معمل المطلق، وبهذا يتعالى فيصبح قانونا اجتماعياً.
ولذا فهو لم يتحدث قط عن السنة أو القانون بالمعنى الفيزيائي من تمدد المعادن بالحرارة، أو الكيمياوي عن الحلقة البنزينية التي كشفها أوجست كيكول في المنام بلحظة تدفق عبقري، بل كان يرمي إلى السنة الاجتماعية النفسية.
وبقدر تأكيد القرآن على مفهوم السنة أو القانون التاريخي، بقدر غرق المسلمين إلى قراريط آذانهم في الخرافة والأسطورة.
واليوم جاءت أمريكا بقضها وقضيضها وأجلبت على العرب بخيل وركاب وطائرات،تذكر ببيزنطة القديمة ودولة الغساسنة، ولكن قانون التاريخ كما يقول (توينبي) أنه يحقق أشياء غير التي رسمتها سيوف الفاتحين وقبضات الجبارين .
فعندما جهز بيايزيد الثاني نصف مليون جندي لاجتياح أوربا فوجي بتيمورلنك ينقض عليه في ظهره في معركة أنقرة عام 1402م فنجا الجنين الأوربي من قبضة المارد العثماني، مما يظهر المغزى الميتافيزيقي للتاريخ.
وتبقى الحرب نزعة انتحارية تقضي على من يمارسها كما جاء في الإنجيل؛ أن من أخذ السيف بالسيف يهلك.
وطوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض.
وفي يوم سادت البسيطة الديناصورات ولكنهم اختفوا كلية قبل 65 مليون نسمة، ولم يدل عليهم سوى هياكلهم الهائلة بأدمغة قاصرة.
وهو قدر القوى العظمى التي تنتفخ مثل الأورام الخبيثة ثم تَهلَك وتُهلِك.
سنة الله في خلقه
وهذا المرض الذي انطبق على الإمبراطورية السوفيتية فهوت صريعة إلى الجنب، وهي تمتلك قدرة تدمير الكون عشر مرات، وبدون هجوم خارجي، هو تماما ما سينطبق على الإمبراطورية الجديدة أمريكا التي لا تغيب الشمس عن قواعدها الـ 63 في العالم.
يقول الله سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق..
ويقول الإنجيل قبل السقوط تأتي الكبرياء.
وأمريكا علت في الأرض وأفسدت وفسدت..
وهم ينهون عنه وينأون عن الحق..
إن مقتل أمريكا كما يقول باول كيندي (الأمريكي) والقرآن من حيث لم يحتسبوا؟ فهي سوف تهلك كما هلكت كل القوى العظمى بقانون فرط التمدد، وأمريكا تمددت وانتفخت إلى الدرجة التي سوف تهلك فيها، كما هلكت وبادت حضارات كثيرة في التاريخ.
وحسب روبرت غرين في كتابه عن الإمساك بالقوة؛ فالتاريخ يحوي سجلا حافلا، من جثث لا حصر لها في مقابر الحضارات، كما هو الحال في مقبرة أي قرية تضم العظام وهي رميم؟..
وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟