كان الجو من حولك ينبئ بألف عاصفة هوجاء، ود مثيروها، ومحركوها أن تقتلع أوتادك، وتقطع نياطك، أتذكر... أن أولاها (تنفيذ حكم الإعدام بالمجلس الذي ارتضاك، وكان الصدر مقعدك، ولمحبيك أغلبه، فتورم أنف أبي لهب، ونفث ريحاً سموماً أراد منها أن تحرق، فكانت شارة الهبوب. كانت فيحاً من جهنم، أخرجت الشياطين إلى المرابض، (فتشعبطوا) على جدران (المجلس) كالسحالي، والنوافذ كالعناكب، كل نافذة تعدم، وكل زجاجة تمنع (الريح) لا بد من تكسيرها، الزبد يقفز من أشداقهم، وعيونهم تكاد تحترق بعد أن سكنها الجمر، ولباسهم فيها بخيل، يوشك أن يطير، خرجوا قنابل، ترى في كل سحنة (رشيداً) وليس منهم رجل رشيد قد تمنى أن ينفجر،... كنت أسمع ما أنت تسمع، والفرق بيننا أنني أحاول أن ابتسم فيأبى الابتسام وأما أنت فتبتسم... كيف؟... ولماذا؟ تحولوا إلى أفواه تصرخ... ماذا تقول؟ لا أدرى!! ماذا تريد؟ لا أدري! كيف صيغت هذه الأشياء فأمست هكذا؟ لا أدري !! كل الذي أدريه أني أسمع (فش.. فش) ما هو هذا الفش؟ لأكتشف أنه الراتب ..؟ كأنّ النخاسين احتلوا صدورهم وعقولهم ... ليسوا نخاسين، ولكن ملائكة، وكأنّ لقمة الهوان المعجونة بعرق الغزاة الطغاة والذيليين هي المبتغى، ... (فش،فش) بعد يوم وليلة شحبت وجوه أطفال فلسطين، وبمجيئك –بزعمهم- احتلت يهود القدس، وانطفأت شمعة الأمل في يد زهرة من زهرات (فلسطين) أوشكت أن تضعها على أسوار القدس ومآذن القدس وكنائس القدس، وبمجيئك انتحر القمر ولفَّ، -وبزعمهم- دنيانا الظلام .. إذن فلا مدارس؛ حداداً على موت القمر، ولا مشافي؛ حتى تعود إلى القمر الحياة، لا حركة؛ حتى يقوم القمر ويلحق بهم إلى طابور الصباح ويعطي للمستشار ألف ألف دليل على الولاء والانتماء، كما يعطي ألف ألف وعد بألا يعطيك إلا شقه المعتم، لتتخبط، وتتردى، وتسقط، وتترك المكان إلى ورثة المكان، وكنت أعجب لماذا.. وكيف..؟ وكيف.. ولماذا؟ حارت في ذلك عقول وألباب؟ من يلجم البركان؟ لقد تناثرت من أفواهه الحمم، والأنظار مشدودة، ومشدوهة... كل نظرة موقف، وكل موقف مضطرب، وكل مضطرب يائس، وكل يائس ينوي الفرار، إلا أنت، تسوس الأمر بحكمة، تجلس بهدوء، تتفحص بهدوء... أيقنت أن لكل أمر شِرّة (بكسر الشين والراء مشددة) ولكل شرة فترة .. إذن فلا بد أن يعقب هذا الشرر فتور، وأما صخب المواقف فإلى بوار كان مستشاروك ثقات... طيب الذكر (حمودة) ذلك الحاج الخبير الحصيف... الذي ما عرف في مجلس من مجالسك حضره، ولا افتقد عن مجلس من مجالسك غاب عنه إلا أقل القليل... لقد كان ثاقب النظر سديد الرأي، كنت أراه عقلاً وحكمة... أكيد أنك تترحم معي الآن عليه، ما أعظم الرجال الذين ينكرون ذواتهم وما أحقر أولئك الذي يجعلون أنفسهم ذوات، ما أعظم الرجال الذين يتقدمون إذا جبن الغير، ويخلصون إذا غدر الغير، يلقون (بحفنة) ماء على اللهب، لإطفاء اللهب، حتى لا تأكل النار المزيد، ما أعظم الرجال الذين يرمقون بسعادة ما صنعوا من نجاحات من بعيد حتى وإن جنى جناها القواعد، الذين كانوا يستدفئون بحرارة (الصحبة) المزعومة أو المدعاة ... لقد كان الحاج نسيجاً رائعاً تشرب المعنى العظيم للعطاء فأعطى بلا نكوص، وتشرب المعنى العظيم للوفاء فأوفى بلا تردد، وتشرب المعنى العظيم للتواضع فكان هو التواضع بلا رياء، رحم الله الحاج (وقد يكون لي ذات يوم عنه حديث وحديث ...) أتذكر... وأسال لماذا...؟ وكيف...؟ أحار.. فأسأل، كيف صبرت.. وكيف طاوعت مراهقاً لوى عنان فرسك لتسلك طريقاً غير الطريق الذي أنت عليه تسير، رغم أن العنان ملك يمينك، والطريق طريقك ومعك ألف دليل، والفرسان رهن إشارة من يمينك أو يسارك... كيف صبرت فسلكت حيث أشار ذيَّاك المراهق... قد بدا أنك قد فقدت الكثير وإذا بك تملك الكثير، أعلم أنك لست ملاكاً.. وأعلم إنما أنت بشر ولا يوحى إليك، ومن هنا، فأنت في نظر الكثير من الفوارس قد أخطأت أو جانبك الصواب لاسيما أن (رشيداً) قد فهمها بلا رشد، وهز إليه سيد الأمن الرأس برضا فتساءل الأصحاب في أنين مكبوت.. إلى متى؟.. ولماذا..؟ لماذا يغلفون كل شيء وما ينبغي لهم ذلك لو قرأوا الرسالة بعقولهم لا بعقول غيرهم ورأوا بعيونهم لا بعيون غيرهم، واحتكموا لضمائرهم لا لضمائر غيرهم.
فإن الأمر مختلف لو أن حناجرهم لا حناجر غيرهم هي التي صرخت، إذن لصرخت صرخة (فلسطينية) لا تشوبها لكنة الغرباء ولا اعوجاج ألسنتهم...
أتذكر... كيف شط بهم المزار وكيف كانت تتعلق أجفان عيونهم عندما كانت تأتي (كوندا) التي أقسمت برأس يهودا ألا يطول بك المقام، وعاهدت (بسوساً) على ذلك، ولتعذرني بسوس، بل هي (تسيفي) لقد فازت (بسوس) برأس (كليب) بعد أن استحوذت على قلب (جساس) وعقله، ولكن (تسيفي) قد استحوذت على قلوب ألف (جاسوس) وعقله... ومن هنا حق للأولى أن أعتذر... فمن الذي أطال لك المقام؟ وكيف رغم الحصار؟ رغم العواصف الهوجاء التي ود مثيروها ومحركوها أن تقتلع أوتادك وتقطع نياطك...
هل يعقل ذلك؟ وكيف (لكوندا) و(تسيفي) وقد سرقتا، ونهبتا، وحرقتا، ودمرتا كل حلم إلا أنت، هل يعقل أن الأفاعي تصير لها الصدور جحوراً وأوكاراً، و(للكوبرا) السوداء أن تعبد للفراخ الطريق... هل يعقل؟ وكنت أراك تحذر بحذر شديد من طريق (الكوبرا) وما رسمت لها من (خريطة) وكنت أسمعك وأنت تبدي الرأي قبل الرأي بأن هذا منزلق دون السير فيه الهلاك، ولكن ماذا أقول لحماقة (هنبقة) وماذا أقول لجهالة (أبي جهل) ما أسوأ الكرسي إذا كانت قوائمه مغروزة في مستنقع أو في بقايا القدس، وما أحقر الود إذا كان من وإلى أبي رغال...
أتذكر.. عندما وقف من كان يهش لك ويبش وهو...
ولكن اسمح لي أن أتوقف هنا، لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.