أتذكر يوم وقف (المستشار) في ظل غيمات صفراء يجأر بصوته الأبح (الأخنف) يتوعدك بالويل والثبور وعظائم الأمور.. أتذكر أن كل شيء فيه كان وعيداً، يداه، قدماه، تسريحة شعره، ربطة عنقه الباريسية، وبذلته الباريسية جداً، حتى سياراته التي تخترق الصواريخ ولا تخترقها الصواريخ، فيلسوفاً كان في إرعاده، وفتاناً كان في إصراره على التحرر منك، فأنت العدم، وأنت الظلام، وأنت السارق، وأنت الدخيل، وأنت الساذج، وأنت الدعي، وأنت وأنت وأنت، وأنت المقسوم عليه أن يرقِّّصك خمسة بلدي، لأنك أعلنت في كل حين وفي كل حال، في الصبح وفي المساء ألا تعترف (باسرائيل) إذن فلا مقام لك بين النورانيين، ولا بين الأمناء، من أعطوا، من لفحتهم الغربة، والاحتراق بنيران العشق (لدولة) من قاد وخاض، لا مقام لك بين السادة، ولا بين سدنة الحلم. لا مقام لك بين الورثة الحقيقيين لتركه (الختيار) فحرام عليك هدبة منها، وحرام عليك أن تستنير بهم، وحرام عليك الحلال، فأنت المخادع والمخاتل والمتستر، فالدين سحابات أفيونية، وشيخك شيخ (خرف) حتى وإن مزقت جسده صواريخ الصديق الصدوق شريك السلام، ومحقق الأحلام، حتى وإن بقي كرسيه شاهداً، ولكن على ماذا (هيء..هيء) هكذا يضحك من أنفه الأخنف متابعاً (إنهم مصدقون أنفسهم أنهم مناضلون) وحرام عليك أن تتكلم عن المغتصَب من بلدك، وكل بلدك مغتصب، وحرام عليك الكلام، كما هو حرام عليك الابتسام، فكيف وأنت نزيل أقبيته؟ وكيف وأنت الذي كان يتعين عليك أن تستأذن ألف ألف مرة حتى يسمح لك بعد المرة الألف ألف أن تحصل على موعد (ما) مع الأقوى، والأذكى، والأنكى، يبدو أن صحبك (في عهده) قد نسوا أنهم كانوا يعلقون كالأضاحي في يوم عيد، وتخلع لحاهم، وينامون على فرش من دماهم، فكيف..كيف.. وألف كيف أن يكونوا في ذات الصف وعلى ذات المقعد مع من أتى بما لم تستطعه الأوائل، حتى أنه اكتشف أن (الختيار) قد (خرفن)؟ وآن له أن يذهب مع الريح، وقد كان، ووفق تخطيط محكم كان من أبرز سماته حصار وحصار وحصار، ودمار ودمار ودمار. ثم معايشة الروائح المنبعثة من المرحاض الذي شاء له محاصروه أن يقضي أيامه الأواخر فيه بما يخدم (الأمن القومي) حتى انتهى الرجل مسموماً مقهوراً وحيداً بلا كوفية أو عقال، وودعه حلمه قبل أن يودعه... أتذكر إذ كان يهيئ القواعد لاستقبال (الأوردرز) وقد مضى عهد الكلام، كما مضى عهد الحوار، فقد أصدر الحكم، وما على الجلاد إلا أن يلهب كيانك بمليون سوط... وإلا، فلماذا وثق بك (الفلسطيني)! وأسلمك مقوده... أتذكر إذ وقف (الختيار) خليفة (الختيار) وهو يسخر منك، ويسفه أحلامك، وقد وصمت المستشار(بالمتآمر) ويعلنها صريحة مدوية أن القرار هو رد الأمر للناس... الاستفتاء كلمة سر سحرية ستنزع من يدك -لا محالة- المقود وترده إلى أهل النهى (بالتشديد المضموم للنون) ولكنك استمسكت لا بالكرسي ولا (بالجاه) ولكن بإرادة من حملك إلى الكرسي، وأقعدك عليه، واستمسكت بجاهه... ففار التنور في أدمغة (المستشار)، وأمر الانكشاريين بالخروج إلى الساحات، إلى الطرقات، إلى أسطح المنازل، إلى المدارس وإلى المشافي، وإلى المباني والمؤسسات لتحريرها منك، من وجودك، ممن أعطاك، وممن لم يعطك، فأنت الأول الذي ينبغي أن تجرد السيوف من أغمادها في وجهه، ولا تنتظر الأمر، بل تحتز رأسك قبل أن يرتد للمستشار طرف عين... فكيف.. ولماذا..؟ وألف لماذا...؟
أتذكر.. وهو يقف كعيون من جهنم في كل منعطف، وعلى أبواب المساجد، وعلى رأس كل موجة يبحث عن دليل، أي دليل لتنفيذ الأوامر الصادرة من جهة ما، على شخص ما، يحمل صفة ما، يذاب جسده في حوض من (الأسيد) المركز، والمقصود أنت، وعندما أعيته الحيل في الوصول إليك كان الصحفيون هم الضحايا، والمتشحات بالسواد كذلك، ظناً منه أنهم أنت، وأنهنّ أنت، حتى أئمة المساجد أنت، والمصلون أنت، ومن اعترض أو نصح فهو أنت، فأحواض (الأسيد) تغلي بأجسادك أنت، حتى يكرهك كل من أحبك، وينصرف عنك كل من التف حولك، ويثور عليك بنوك، وينقلب عليك رغيفك قرصاً من (أسيد).. أتذكر كيف اقتحموا الحرم، وانتهكوا الحرمات، هذا ما رآه حتى كليل البصر، وأما ما لم تره زرقاء اليمامة فقد قرأه عليك، وعرضه عليك (الشيخ سعيد) ذلك الذي نهشته حراب فم المستشار، ومزقت سيرته وسريرته لسانه الأحد من الحراب.. فلماذا.. وكيف..؟
قد يبدو السؤال ساذجاً وساذجاً..... وقد يسأل سائل:
ياه... سبحان الله ... أقسم بالله عندما وصلت إلى كلمة سائل وصلني تصريح القدومي أنقله نصاً (محمود عباس ومحمد دحلان شاركا في اغتيال عرفات والرنتيسي..) مما فتح الباب للمزيد.
ولكن اسمح لي أن أتوقف هنا لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.