بقلم د. خالص جلبي
أول كلمة نزلت في القرآن في أول سورة، هي أن كسر أعتى القوانين وأشدها إجحافا وظلما يتم بعدم الطاعة؛ كلا لا تطعه واسجد واقترب.
وأن الطاغية والطغيان لا يعالج بالقتل والسلاح والمدافعة بالمدافع بل بأسلوب بسيط غير مكلف هو عدم الطاعة، وتبقى كلفته لا تقارن بسفك الدماء والعداوات.
وأول غلطة ارتكبها الدستور الأمريكي، أنه وضع في البداية حق الإنسان في الحياة والحرية والرفاهية، ثم أخطأ خطأ مبينا مرتين؛ حين قال بحقه في الثورة المسلحة على الظلم والقوانين الجائرة، ونسي ثانيا أن يقول ما هي واجبات المواطن الصالح؟
وحاليا تحررت أمريكا بحرب أهلية مدمرة، أتبعتها بحرب أهلية مدمرة، وقد تنتهي أمريكا بحرب أهلية مدمرة!
وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا.
أما كندا فاستقلت بغير حرب وضرب واستقلت عن بريطانيا بدون حرب وضرب وعاشت وما زالت بدون حرب أهلية وخراب ودمار، وهي تتقدم للعالم بالغذاء والسلام وتحتوي سكانا من أقطار المعمورة الأربعة وتحتل البلد رقم واحد في العالم ويهرع إليها الناس من كل فج عميق، فهي مجتمع المستقبل لولا ثلاث أمور؛ البعد والبرد والغلاء. ولو كانت بمناخ ألمانيا وأسبانيا لأصبح عدد سكانها أكثر من أمريكا، فهذا هو قدر الدول.
لقد اعتاد الناس على سماع نغم قبيح؛ يقول أن الحقوق تؤخذ ولا تعطى.
ومشى الشعر الهائم المجنون خلف الخطأ؛ فجعل الخطأ مضاعفا ودمويا؛ فقال وللحرية باب مضرجة بالدماء يدق!!
وغاندي يقول ومالك بن نبي يؤكده أن الحقوق لا تؤخذ ولا تعطى ولا تحتاج للدماء بل هي ثمرة طبيعية للقيام بالواجب، وأنا في رحلة تخصصي فاتتني الحقيقة، وفي معمعة الحياة ننسى هذا الحكمة الباهرة؛ كنا نريد أن نسلم المزيد من العمليات في تخصصنا، ولكن لو أغلقنا الأفواه عن المطالبة وعرقنا في ممارسة الواجب فسوف نسلم ويزيد.
والله يضع قانون الشكر أنه يزيد.
وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد!! وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله غني حميد.
ومن فهم الطبيعة الإنسانية تماما ليس ديفيد هيوم، بل الأنبياء ومن سار على دربهم مثل غاندي ومالك بن نبي ومارتن لوثر كينج وعبد الغفار خان، فقالوا: إن كسر أشنع القوانين الظالمة هي بعدم طاعتها، وان الطاغية بشر ممن خلق، ويمكن إصلاحه بالطريقة التي نزلت فيها سورة العلق وقصة الرجل المؤمن في سورة غافر الذي كتم إيمانه ثم أعلنه في المرحلة الحرجة فنجاه الله وسلط العذاب على فرعون والبطانة، يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود.
وفي سورة (هود) لفت نظري دوما أن كل النهايات للأنبياء، ومن تابعهم وراهن على دعوتهم كانت النجاة، وكانت العاقبة وخيمة مدمرة لمن عصى.
ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيّناهم من عذاب غليظ. وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، ألا إن عادا كفروا ربهم، ألا بعدا لعاد قوم هود.
الرسالة إذن حين تصدر القوانين من فوق، ولا تستشار فيها الأمة من تحت، أن يقوم نفر من الأفراد الشجعان، مثل فتية أصحاب الكهف، إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا.
وحين أراد غاندي كسر قانون الملح سار بمن معه حتى البحر ثم بدأ بكسر قانون احتكار الملح لبريطانيا! فماذا فعلت بريطانيا ؟ ترددت ثم اعتقلت ثم اعتقلت ولكن عمليا خط غاندي طريقا جديدا في التغيير الحضاري مكون من ثلاث فقرات؛ غير نفسك تغير التاريخ. يكسر أي قانون بعدم الرضوخ. لا يقتل أي طاغية، بل يعصى في المعصية، ويطاع في الطاعة؛ فيتآلف المجتمع بالحب والرحمة، ويزول الحقد والطغيان.
إنها رسالة ومن القرآن والتاريخ والفلسفة وكتب النبوات، ولكن بين العرب وفهم هذه الحكمة من تراثهم، غشاوات وضلالات، ومفاهيم معيقة، وتراث أثقل من نجم نيتروني.
هل تعلمون ما هو النجم النيتروني؟ إنه ذرات ليس فيها فراغات، وزن الملعقة منه أثقل من جبل أفيرست!!