المهن شريفها ووضيعها سواء

نشر 14 يونيو 2009 | 06:15

 

بقلم د. خالص جلبي

 يظن البعض أن مهنة الطبيب أشرف من مهنة سائق الشاحنات؟ وكلا منهما لا يستغنى عنه، وكلا منهما يؤدي دوره في مسرح الوجود، ولكن الأول يلبس الأبيض، والثاني الأزرق. وهذه الفكرة استفدتها من الفيلسوف إبراهيم البليهي، حين قال لي مرة ـ ودهشت أنا لهذا الاكتشاف ـ إنه لا يفرق بين الطبيب وسائق الشاحنات، فكلاهما مهني سوى أن الأول يداه في الدم، والثاني في الشحم..

 وأحيانا اجتمع بخليط من طبيب وسائق شاحنات في مجلس واحد فأرى من الانتفاخ وتورم الشخصية عند الطبيب، ما يتضاءل أما تواضع وحكمة سائق الشاحنات!!

 فالأول يملأ جيبه بالمال بكمية وافرة، والثاني يكدح ويواصل ليله بنهاره في ظل مخاطر جمة، يعاشر الليل والغبار والشحم والوسخ براتب زهيد، ينام بجنب الأفاعي والحشرات، يعبر القفار ويرى الطبيعة..

 والآخر لا يرى من الطبيعة سوى مريض ومرض وأمراض وأعراض وعلامات المرض فيحلم بالمرض وإذا سعل ظن أنه مصاب بسرطان بانكوست؛ فيمرض من حيث لا يعلم..

 وفي قناعتي أن المهن ليس فيها شريف منزه طاهر مقدس، مقابل الذميم والوضيع، بل كل قد علم صلاته وتسبيحه..

 وهنا يأتي دور الحديث عن النية؛ فمن كانت نيته لمجد كاذب وفلوس عامرة وشوفة حال، فهجرته إلى ما هاجر إليه..

 والأطباء في اختصاصاتهم شتى يشبهون المهن من حيث لا يشعرون..

 فجراح الأوعية يستخدم نفس تكنيك عامل فتح المواسير المسطومة؟ هذا بالماء والقذارات والشحم مستخدما الدافشات والأملاح والأسياخ، والثاني مميعات الدم وقثطرة فوجارتي.. بنفس الطريقة ..

 ودكتور العظام يشبه الحداد بالأزميل والمطرقة والمسمار والبرغي وصفائح المعدن، فإذا الماكينات أزّت، وإذا العظام خرقت، علمت نفس ما يحدث هناك..... فلا اقسم بغرف العمليات والمرضى أنصاف الأموات..

 ودكتور الجراحة يشبه القصابين الفحول، بساطور ومنشار للبتر، وإبرة لترقيع الفتق،  وسكين الجزارين ومقص الحلاقين بيمناه للقطع والتسليخ، ولكن لا أحد ينتبه، سوى أنها تجرى في غرف معقمة، مغلقة بعيدة عن العيون، لذا فضل الأطباء أن يختفوا ويتستروا من مناظر رعب لو اطلع عليها الناس لولوا منها فرارا وملئوا رعبا؟

 وجوههم وعيونهم مكمكمة مغطاة بالخرق والرقع مثل الممثلين في حفلة تنكرية.

 أما جراح التجميل فهو يشبه السحارين والمبخرين وحلاقي التجميل بفارق العملة والعملية؟ يقلد النجارين والخياطين بالخيط ومقص التسليخ والحارق والخارق والباقر؛ فينقل الأنسجة من مكان لمكان..

 أما البوليون فهم مع حرف أخرى يقاسون، بين فرث ودم، هم والجلديون وأصناف شتى، من الحارقين الكيماويين، والنسائيين مع البزورة والأرحام والدم والفرث، في برك من الدم ليست للسباحة لا تسر الناظرين..

 ومن أعجب ما يحدث معي حين أجتمع بطبيب يقول أنه اختص في فرع؟ أساله أين اختص فاكتشف أنه كان منقطعا في مكان بارد موحش مع الدببة القطبية، فلم يتصل بالثقافة بأكثر من فلاح من النوبة برياضيات التفاضل والتكامل..

 ومرض الأطباء ثلاثي ولكن لا يشعرون؛ مرضهم أولا أنهم متوقفون في مربع الزمن عند ثقافة البكالوريا مع إضافة مصيبة هي التحنط عندها.

 ومرضهم ثانيا انتفاخهم بدون مبرر، فيظنوا أنهم مبتغى الرجا وكعبة الوجود والكون خلق لهم من أجلهم كما يسمهيم الألمان نصف إله بثوب مملائكي يقرر الموت والحياة.. وما هم ببالغيه وسبحان من خلق الموت والحياة..

 ويظنون أن من أمسك بسكين ومشرط وخازوق ومثقب وحارق وباقر أن عنده قدرة قراءة التاريخ وعويص  الفلسفة وجمال الشعر وسحر الطبيعة وذهول البيان وروائع التاريخ وكنوز الأدب ومعضلات الرياضيات والجدل الإنساني وعلم الاجتماع وأسرار النفس ؟؟؟ إلا ساء ما يعملون ويظنون..

 والمرض الثالث الذي يكرس للمرضين السابقين بسكين ومسمار انتفاخ الجيب وفراغ الدماغ..

 ولذا أستعيذ برب الفلق من الطبيب إذا وسق؟ لأنه لا يستفيد مني سوى إفساد الجو، وحب الاعتراض ليعرف من حوله أنهم مرضى يطلبون علاجه؟ فالعالم من حوله لا يزيد عن ثلاث مريض ومرض وأمراض؟؟

 إنه يقتحم حلبة النقاش يظن أن الجوجول بين يديه، وهو لا يزيد عن مهني مثل سائق الشاحنات الذي يفوقه بتواضعه وحبه للمعرفة فيستفيد، كما ورد عن نبي الرحمة كن عالما أو متعلما أو محبا للعلم ولاتكن الرابعة فتهلك؟؟

 فأفهم من تلك المقابلة الرائعة التي دارت بين أبي سفيان وهرقل، حين سأله عن النبي العدنان في عشر أسئلة، منها من يتبعه أشراف القوم أم ضعفاؤهم؟ فكان جواب أبو سفيان باعتداد: بل ضعفاؤهم؟!!

 وهو أيضا السر أن القرآن ذكر في الاعتراض على الأنبياء أن قومهم كانوا يقولون لهم؛ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي السطحيين العفويين الدراويش؟

 قال وما علمي بما كانوا يفعلون إن حسابهم إلا على ربي لو تعلمون..

 ومنه نفهم أيضا عتاب الله لنبيه في سورة كاملة، كيف يتجاهل ذلك الفقير الأعمى، أن جاءه يتزكى؟ فقال لماذا تعبس وتتولى، وما يدريك لعله يزكى؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى؟ وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى؟؟؟ كلا أنها تذكرة .. بعدها كان النبي ص إذا جاءه ابن مكتوم الأعمى فرش رداءه له وقال أهلا بمن عاتبني فيه ربي..

 وأنا أحب الدراويش أكثر من الأطباء المنافيج المنافيخ المزعجين المكدرين للنفوس وإهدار الفلوس..

 وليسوا كلهم كذلك فلنحذر من التعميم، فليسوا سواء، ولكنهم قلة أولئك الذين نهوا النفس عن الهوى..