همسة في أذن.. المدير الأطرش!!

نشر 09 يونيو 2009 | 09:03

جاء أحد المواطنين يشكو همه لرئيس مجلس الإدارة .. فطرق بابه .. وانتظر فلم يخرج له أحدًا .. فأعاد الطرق عدة مرات .. ولكن لا مجيب !! فعاد في اليوم التالي وطرق الباب وانتظر .. ولم يُفتح الباب .. فظن أنه لا يوجد أحد بالداخل .. فعاد في اليوم الثالث وكرر ما فعل .. لكن بلا جدوى .. وعاد في اليوم الرابع والخامس .. وكان في كل مرة يطرق الباب وينتظر دون فائدة .. وفجأة فتح الباب بعد فترة طويلة من الانتظار .. وخرج من الغرفة رئيس مجلس الإدارة فوجد المواطن يجلس أمام الباب .. فسأله عما يفعل بجانب باب المكتب .. فقال المواطن بألم شديد : لي خمسة أيام أطرق بابك دون مجيب ! فاستغرب الرئيس ولم يصدق .. وقال له : إن المسافة بين مكتبي وبين الباب صغيرة وأستطيع سماع أي صوت .. وللتأكيد سأغلق الباب مرة أخرى وأعود لأجلس على مكتبي وأنت تطرق الباب ونرى .. ففعل .. وبدأ المواطن في طرق الباب .. ومكث فترة ينتظر الرد .. لكن دون جدوى !! بعد قليل خرج الرئيس من مكتبه دون أن يسمع شئ .. فاستغرب كثيرًا .. وقرر تبديل الأدوار مع المواطن .. قال للمواطن اجلس أنت على مكتبي وأنا سأدق الباب .. فدخل المواطن وأغلق الباب على نفسه .. وبدأ الرئيس يطرق الباب .. وانتظر .. وكرر مرة ثانية .. لكن دون جدوى .. مكث الرئيس وقتًا طويلا وهو ينتظر .. حتى خرج المواطن .. وقال لم أسمع شيئًا !! فقال الرئيس : لقد عرفت السبب الآن !! فقال المواطن باستغراب : وما هو ؟ فقال الرئيس : إن كل من يجلس على ذاك الكرسي يصاب بالطرش !!!

إن هذه حقيقة مؤكدة أصيب بها العديد من الرؤساء أو القادة أو المدراء .. أو قل كل مسئول أغلق على نفسه الباب .. وظن خاطئًا أنه سيدير كل شئ من خلف المكتب .. فالمدير الذي لا يستمع لمشاكل موظفيه .. أطرش .. والذي لا يأبه بالمقترحات .. أطرش .. ومن لا يعرف إمكانيات أتباعه .. أطرش .. ومن يقرر بناء على معلومات ظنية .. أطرش .. ومن يدير بلا متابعة .. أطرش .. ومن يفاجأ بالمشاكل ويكون آخر من يعلم .. أطرش .. ومن لا يتعامل إلا بالأوراق .. والمراسلات المقيتة .. أطرش .. !!!

فكم عدد هؤلاء الرؤساء أو القادة أو المدراء الذين يجلسون على كرسي القيادة دون أن يعطوها حقها .. واعتقدوا أن المنصب عبارة عن وضع اجتماعي مرموق .. أو امتياز .. أو شهرة .. أو تحكم .. أو تسلط .. أو غرور .. أو مزيد من المال .. !!

أعتقد أن هذه الأشكال موجودة .. ومتفاوتة .. وقليلون الذين فهموا القيادة أنها تحد كبير .. مع النفس أولاً .. ثم مع الأتباع .. قليلون الذين ينجحون بالتفويض والمتابعة .. وقليلون هم الذين يعرفون إمكانيات أتباعهم بدقة .. واستطاعوا توظيفها حسب الكفاءة .. وقليلون الذين يتابعون المشاكل أولاً بأول .. ويكونوا حاضرين قبل وقوعها .. وقليلون الذين يعملون بروح الفريق ويستمعون بإصغاء للأفكار المطروحة من أقل الشخصيات بساطة .. وقليلون الذين يتبعون أسلوب التحفيز والتشجيع .. ويشعر الأتباع معهم كالأسرة الواحدة .. وقليلون الذين يبتسمون أو يصافحون أو يسلمون على الأتباع .. وقليلون الذين يقررون الخروج من العمل للقيام برحلة ترفيهية .. أو تناول وجبة غداء أو عشاء .. وقليلون الذين يهتمون بالنواحي الاجتماعية لأتباعهم .. ويشاطرونهم الأفراح والأحزان …

عندما حكم عمر بن الخطاب وأصبح قائدًا ورئيسًا عامًا للدولة الإسلامية كان يشعر بثقل الأمانة وحرصه على أداءها على الوجه الأمثل .. فأبدى رغبة شديدة لعمل جولة تفتيشية في جميع البلاد التي تحت سلطته .. ففي أخر عام في السنة العاشرة من حكمه قال : إن عشت العام القادم سوف أذهب إلى كل بلد أعيش فيها شهرين .. فان الرعية لها أمور يحجبها عني الولاة .. فو الله سوف يكون أحلى عام هذا الذي أقضيه بين الرعية أسمع فيها شكواهم ..

وقد بلغه أن سعدا صنع بابا على باب الإمارة .. فمن يأتي يطرقه .. فقال يا بن مسلمة أذهب فاكسر الباب !! وقل له يا سعد يا خال رسول الله .. من حجب بينه وبين الرعية حجب الله بينه وبين الجنة يوم القيامة .. !!

إن العمل البيروقراطي .. والسلم التنظيمي .. والتسلسل الإداري .. والمكاتب وتداخلاتها .. والأبواب الكثيرة .. إذا تمّ التعامل معها بحرفية زائدة .. سوف تسبب حالة من الجمود الإداري .. ويرى الكثير من مدعي الفهم الإداري أن ما سبق .. بالإضافة إلى الروتين في العمل .. والتعامل عبر الأوراق والرسميات الزائدة .. هي أساس الإدارة !!

في إحدى المسلسلات السورية الهادفة (( يوميات مدير عام )) .. تمّ تعيين مدير عام جديد لمؤسسة توشك على الانهيار .. فقرر هذا المدير التنكر بشكل يومي .. والدخول للمؤسسة على أنه مواطن يحتاج لخدمة ما .. واستطاع بعد أيام قليلة أن يكشف كل ما يدور في المؤسسة .. فعرف كل مواطن الخلل .. وعرف كل الموظفين بصورة جيدة .. وأخيرًا استطاع تغيير المؤسسة ونشلها من الانهيار !!

وهذا يقودنا لأمر هام جدًا .. وهو المتابعة .. وهنا أوصي المدراء والقادة والمسئولين بالمتابعة الجيدة ومراقبة ما يحدث حولكم .. بالطريقة المناسبة .. لكن لا تعتمدوا كثيرًا على التقارير .. أو الأمور الروتينية المعروفة .. لأن كثير من الأمور لا يتم رفعها .. !!

أقول لن يستطيع أي شخص مهما كان أن يعطيك كل ما تريد .. شاهد بعينك واسمع بأذنيك .. خصص وقتًا من وقتك الثمين لعمل جولة .. أو لقاء .. أو اجتماع .. اسأل بنفسك .. وكن لوحدك .. راقب بذكاء .. قم ببعض الأعمال البسيطة وساعد موظف في عمله لخمس دقائق .. قرر مكافأة مفاجئة وأبلغها للموظف بنفسك .. اتصل من جوالك بموظف واشكره بنفسك على عمل قام به .. المهم أن تتابع  .. وتراقب .. وترى .. وتسمع !!
 
 بقلم : عماد الحاج
متخصص في الإدارة والتنمية