الحمى التي اسمها إسرائيل

نشر 24 مايو 2009 | 03:18


 بقلم د/ مصطفى محمود

فتح باراك صفحه جديدة في فنون التفاوض والحوار في القمة الأخيرة التي شارك فيها‏..‏ فرأيناه يعاود الهجوم ويأخذ أرضا جديدة ‏(‏ معبر رفح‏)‏ ويطالب بالمزيد ويضع الشروط ويهدد الجانب الفلسطيني ـالمضروب والمطروح علي الأرض‏..‏ ويستعلي ويتطاول وكأنه الفرعون الجديد الذي لا يهزم‏..‏ وهو دائما مشحون وكأنه قذيفة علي وشك الانطلاق في وجه مفاوضيه‏.‏
والمشهد العام لا يطمئن فهو عدواني متفجر طوال الوقت‏.‏

وانتهت القمة ولم تعد بشيء ولم تفتح طريقا والعكس تماما هو ما حدث‏,‏ فقد ألقت بظلال قاتمة من الشك والمخاوف علي المستقبل‏..‏ وبدا للجميع أن طريق مدريد وأوسلو وكوبنهاجن كان طريق الندامة وان كلمات بيريز الصابونيه الخادعة كانت مزلقا انزلق عليه كل العرب وانكفئوا علي وجوههم‏..‏ وان أمريكا قد أسلمت قيادها تماما لإسرائيل‏.‏
ولاشك أن القمة العربية المنتظرة تلقت إشارة لا تخطئها الأذن ولا العين في أن القضية سوف تحتاج إلى وقفه رجال وقد أصابت القمة في كل قراراتها الرافضة والحاسمة‏.‏

ولاشك أن العالم يدرك الآن الدول العربية تمثل ضفيرة من المصالح الإستراتيجية للعالم كله وان تهديد السلام في هذه المنطقة سوف ينعكس سلبا علي العالم وان ترك العدوان والظلم ليستفحل علي يد إسرائيل سوف يأتي بأوخم العواقب ليس علي فلسطين وحدها‏..‏ بل علي الكل‏..‏ وان العرب في مجموعهم يستطيعون الرد‏..‏ وان الحلول العادلة هي السبيل الوحيد للسلام‏..‏ والتاريخ يقدم لنا الدروس‏..‏ فهل استطاعت الحروب الصليبية بأهوالها ومظالمها أن تقدم حلا‏..‏ لقد انتهت بالخذلان والهزيمة‏..‏ وأكثر الشعوب الأوروبية الآن خلعت مسيحيتها وتحولت إلى علمانيه ووجوديه ولا ادريه‏..‏ وعولمة اليوم تجاره ومصالح وتبادل منافع لا دين لها‏..‏ والصيحة الآن‏..‏ هي الحرية‏..‏ ولحقوق الإنسان‏..‏ وكل ما حرمته المسيحية أحله أتباعها‏..‏ فالشذوذ الجنسي حلال والزنا حلال والخمور بأنواعها حلال الحلال‏..‏ وكل المحركات خلت في بند حقوق الإنسان وأصبحت مباحات‏.‏
 
عن ماذا كانت تعبر رايات الصليبيين إذن؟‏!!..‏ عن قتل المسلمين‏..‏ ربما‏..‏ عن مجرد الكراهية‏..‏ نعم‏.‏
ورايات اليهود تعبر الآن عن نفس الأشياء عن قتل الفلسطينيين ونهب أرضهم والاستيلاء علي حقوقهم‏.‏
وهي مثلهم تحرث في البحر‏..‏ وتدعي كذبا أنها تعبر عن حقوق الإنسان بينما هي تعبر عن قتل الآخر‏..‏ والاستيلاء علي أرضه وأوطانه وخيراته‏..‏ وهي دعوي مستمرة إلى كراهيته وإهدار حقوقه‏..‏

الحضارة تحولت عن طريق الدبلوماسية الأمريكية إلى قرصنه وسطو ونهب‏..‏ وهي تسعي إلى ذلك بكل الذرائع‏.‏
وهل كانت حرب الخليج واستدراج صدام إلى غزو الكويت إلا ذريعة للسيطرة علي البترول وضرب الوحدة العربية في مقتل‏.‏

الآن نعلم من هم أصدقاؤنا ومن هم أعداؤنا‏..‏ ونعلم في أي صف تقف أمريكا‏..‏ ونعلم أين تقف أوروبا والغرب من كل هذا‏.‏
ونعلم لماذا تقف أوروبا وأمريكا وراء إسرائيل‏.‏
وماذا تمثل إسرائيل لهذه العصابة‏.‏
إنها أداة جاهزة لتعويق الانطلاق العربي وإجهاض مشروعاته النهضوية وإفقاره وإغراقه في الفتن والخلافات والديون‏..‏ وهي العصا التي يضرب بها من عصا‏.‏
وما يجري أمامنا هو توزيع ادوار بهدف واحد هو أن نظل جميعا في الأسر‏..‏ وتحت السيطرة‏..‏

وعلي العرب أن يتحدوا ويتماسكوا ويتحابوا ويتعاونوا ويتعاملوا كذراع واحده مع هذا المشروع التفكيكي للقضاء عليهم وتفريقهم والسيطرة علي مقدراتهم‏.‏
علي الدول العربية أن تكون لها استراتيجيه وخطه وتكتيك للتعامل بذكاء وفاعليه مع هذه العداوات وان توزع أدوارها لتتعامل مع أطراف العصابة التي وزعت أدوارها لتتعامل معها‏.‏

إن الشعب في الشارع الآن يقاطع الكوكاكولا والماكدونالد والكنتاكي والهامبورجر‏..‏ يفعل هذا بأسلوب فطري باعتبارها جميعا رموزا أمريكية‏.‏
إنها انتفاضه تلقائية ضد ما أحب وما تعود وإشعار صادق بأنه يمكن أن يخلع ما تعود عليه وان يقاطع ما يألفه لأنه ارتبط في ذهنه بأشياء يكرهها‏.‏
وحسنا ما فعل فقد ثبت أن الإسراف في شرب الكوكاكولا يودي إلى هشاشة العظام وان أكل الهامبورجر يؤدي إلى عسر الهضم وتلبك المعدة والي زيادة الكولسترول والدهنيات في الدم وبالتالي إلى الجلطة والذبحة‏.‏
وقد اشتهرت هذه الأطعمة في أوروبا باسم أطعمة فرنكشتين لأنها خلطه مصنعه من زباله اللحوم ولأنها مخلفات وليست عناصر طازجة‏.‏
وما يسمي الآن بالأكلات السريعة‏..‏ وهي بدعة أمريكية‏..‏ هي أكلات غير صحية بالمرة‏.‏
والأكلة الصحية التي ينصح بها الطبيب هي دائما أكلة تأكلها ببطء وتحتوي دائما علي خضراوات الحقل الطازجة والفواكه‏.‏
وهذه العادات الغذائية الضارة هي بعض ما أتت به الموضة الأمريكية وبعض ما أغرقت به شباب العالم‏.‏

وتحب أمريكا أن تشتهر بأنها الإمبراطورية الرومانية الجديدة التي تحكم العالم وتحكم مزاج الشباب في الأكل والشرب واللبس والفن والثقافة‏..‏ وان تكون ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد‏.‏
فهكذا وصف الله عادا الأولى التي كانت تمثل الجبروت والقوه والبطش في العالم القديم‏.‏
ولعل أمريكا تكون هي عاد الثانية‏..‏ وان تنافسها في جبروتها وفي قوتها‏.‏

وكنا أيام زمان نقول عن روسيا وأمريكا‏..‏ أنها الفرس والروم‏..‏ وقد انتهت روسيا‏..‏ أما أمريكا فقد تعملقت وتطاولت في البنيان كما تعملقت عاد في أبراجها‏..‏ وارتفعت في أمريكا ناطحات السحاب فأوشكت أن تكون إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد‏.‏
فهل تنتهي كما انتهت عاد الأولى وكما انتهي كل الجبارين والعماليق‏..‏؟؟؟
المستقبل عند الله‏..‏ ولا ندعي علم الغيب‏.‏
ولكن كتاب التاريخ يلقي علينا بالدروس‏.‏
وركب الأباطرة والقياصرة والأكاسرة يمضي ولا شيء يبقي وهناك أمم في قاع البحر‏..‏
وأمم في بطن الرمال‏..‏
وأمم تحت الجليد‏..‏ مع الحيتان الميتة في العصور الجليدية‏.‏
وأمم غبرت وطواها النسيان ولم يبق لها اثر ولا ذكري‏.‏
دروس‏..‏ تحفل بها كتب التاريخ‏.‏
ورؤساء أمريكا العظام مشغولون تفوتهم هذه الدروس فهم في شغل شاغل يشغلهم علي الدوام‏..‏ وهم في دوار العظمة وفي دوام الحكم والسلطان وفي الضجيج الإعلامي الذي يصك الأذان حولهم وأضواء الكاميرات التي تعمي الأعين ينسون عجله الزمن التي تجري ويغفلون عن الحاضر الذي سوف يصبح ذكري باهته ثم يصبح سطرا في الماضي ثم يغدو نسيا منسيا ثم يطمره طوفان الأحداث ثم يغدو أثرا بعد عين ثم يصبح ذلك العصر القديم الذي كان‏..‏ أين ذهب ذلك العصر‏..‏ وأين ذهب رجاله‏..‏ فتش عنهم تحت الأرض‏..‏ فتش تحت التراب‏..‏ هنا‏..‏ وهناك‏.‏
هل وجدت شيئا‏..‏
رأيت جمجمة؟‏!‏
أين لسانها‏..‏ الذي كان يحكم ويأمر وينهي ويسجن ويعذب ويقتل قطع الزمن لسانها واعمي أعينها‏.‏
استوي القاتل والقتيل في التراب‏.‏
لا‏..‏ بل ما استووا أبدا‏..‏
بل تفرقت بهم المصائر‏..‏ إلى حيث لا نعلم ولا يعلم احد‏.‏
من أسفل سافلين إلى اعلي عليين‏.‏
أين الشهيد محمد الدرة؟؟‏1‏
أين هو الآن وأين قاتله‏.‏
ذلك هو الغيب المطلسم‏..‏ والمفاجأة الصاعقة‏.‏
إن الذي أطلق الرصاصة القاتلة علي الطفل لم يدر إلى أي هوة من الجحيم هوت به‏..‏

وإسرائيل بأسرها لا تدري إلى أي هوة سوف يقودها بطشها الأعمى وقتلها للأطفال وفتكها بالمواطنين العزل‏..‏ وغرور القوه الذي استعارته من الظهير الأمريكي سيكون قبرها وتابوتها‏.‏
فالشعر المستعار لا يصنع رجولة‏.‏
وفروه الأسد لا تصنع أسدا‏.‏
بل القوة الحقيقية هي قوتك التي تباشرها علي نفسك‏..‏ هي قدرتك علي أن تحكم غضبك‏.‏
هي قدرتك علي أن تكبح شهوتك‏.‏
وهي قدرتك علي أن تلجم طمعك‏.‏
وهي قدرتك علي أن تغض بصرك عن عورات الآخرين‏.‏
هي قدرتك أن تجاهر بالحق أمام سلطان غاشم‏.‏
تلك هي القوه التي تشرفك
أما قدرتك علي تعذيب طفل قليل الحيلة‏..‏ فإنها فضيحتك وعارك‏..‏ وهي إعلان عن دناءتك وصغار نفسك وهو أن شانك‏.‏
وقتل الشهيد الدرة جاء تتويجا لسجل المذابح الأسود في تاريخ إسرائيل ليضاف إلى مذابح صبرا وشاتيلا ومذبحه كفر قاسم ومذبحه الحرم الإبراهيمي ومذبحه دير ياسين ومذبحه أبو زعبل ومجزره قانا التي تمت في خيمة اللاجئين التي إقامتها الأمم المتحدة ليلجا إليها المواطنون من خطر القصف‏..‏ وهذه هي إسرائيل‏..‏ الشيطان الذي تسانده أمريكا‏..‏ وهذه هي إسرائيل التي تتشدق بحقوق الإنسان‏..‏ وهذا ما تريده بنا وبالعرب‏.‏
وإذا أرادت إسرائيل أن تكون هي الوباء والحمى والمرض المزمن والمستحكم في بلادنا العربية‏..‏ وإذا اختارت أن تكون هي الخطر الدائم الذي يهددنا‏..‏ فإننا نرفضها بالإجماع‏..‏ ولا نجد لها عندنا إلا المقاطعة‏..‏ وإيقاف التطبيع‏..‏ وإعلان المقاومة‏..‏ على جميع المستويات‏.‏
وليس أمام القمة العربية إلا رفض إسرائيل وما تصنع‏..‏ ولن يتخلف صوت عربي واحد‏..‏ وسوف تعلم إسرائيل ومن يعضدها ويساندها أنها جمعتنا بعد فرقه ووحدت صفوفنا ضدها بعد اختلاف‏..‏ وإننا جميعا ضدها صوتا واحدا ويدا واحده وسوف تعبر قمتنا العربية عن هذا الاتحاد وتجهر بهذا التكتل‏.‏

والخطوة التالية أن يتحول هذا التكتل إلى إستراتيجية وإلى أسلوب عمل‏.‏
الخطوة التالية أن نكون على مستوي ما نقول من حيث التخطيط والاستعداد‏..‏ وان نكون نحن وإيران صفاً واحداً‏..‏ فإيران تقف معنا في نفس الخندق‏..‏ وإيران حليف له ثقل وله موقف‏..‏ ورجال حزب الله في لبنان كانوا رجالا بحق لقد فتحت لنا إسرائيل دون أن تقصد بابا واسعا إلى الجنة‏..‏ فمرحبا وفتحت عيوننا علي حقيقتها‏..‏ ودورها‏..‏ وأهدافها‏.‏
وجمعتنا علي إرادة واحدة وخط واحد‏.‏
وهو مكسب يعوض كل الخسائر‏.‏