ما أكثر القرارات التي تصدر في حياتنا اليومية سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى المؤسسات .. ونظن أن عملية اتخاذ القرار تنتهي عند الإعلان عنه بالشكل الصريح .. وهناك من القرارات ما يحتاج لوقت كبير من الجهد والتفكير والبحث عن أفضل البدائل ..
وقد يكون القرار منحة أو عقوبة أو تشكيل لجنة أو ما شابه ذلك مما نقوم به أو نسمع عنه .. لكن في حقيقة الأمر هناك من القرارات ما تتم متابعتها .. فتنجح .. وهناك من يظن أن صدور القرار هو آخر مرحلة من مراحل إدارة المشكلة أو الأزمة .. فنتركها .. فتفشل !!
إن عملية صنع القرار هي عملية مستمرة .. فقد ينتج عن اتخاذ القرار مشكلة أخرى .. محسوبة أو غير محسوبة .. وبالتالي تحتاج لقرار آخر .. والقرار الآخر قد يرضى أطراف ولا يرضي آخرين .. وبالتالي ستحدث مشكلة من نوع آخر .. فالأمر سيحتاج مرة أخرى لقرار جديد .. وهكذا ..
في هذا السياق وفي غيره تبرز لنا أهمية المتابعة .. والمراقبة .. وبدون ذلك .. ستحدث مشاكل كثيرة .. فكم من قرار لم يتم متابعته .. حدثت بعده كوارث !! .. وكم من أمر تمّ السكوت عنه .. فتفاقم وكبر .. وأصبح خارج السيطرة !! وكم من خلل يحدث أو مشكلة هنا أو هناك ولم نعلم عنها .. لأننا لا نقوم بالمتابعة أصلاً ..!! وقد قيل إن كنت تعلم فتلك مصيبة ... وان كنت لا تعلم فالمصيبة أعظم ..!!
إن من أهداف المتابعة أن نعرف مدى توافق التنفيذ مع ما هو مقيد في الخطة .. واكتشاف المعوقات والأخطاء في الوقت المناسب .. وتحقيق الاتصال والتفاعل بين القيادة والقاعدة .. كما توفر للإدارة المعايشة الواقعية لواقع العمل وحقيقته .. وتعمل على متابعة القائمين على التنفيذ و معرفة كفاءتهم وتحسينه ..
إن المتابعة تعني الاستمرارية .. وتعني الحياة .. وتعني الوصول للنجاح .. وعدم المتابعة يعني حدوث الخلل .. وازدياد المشاكل .. والوصول للفشل !!
لقد أدرك عمر بن الخطاب أهمية المتابعة وهو خليفة المسلمين .. فكان إذا قدمت الوفود إليه سألهم عن أميرهم .. فيقولون : خيرًا .. فيقول : هل يعود مرضاكم ؟ فيقولون نعم .. فيقول : هل يعود العبيد ؟ فيقولون : نعم .. فيقول : كيف صنيعه بالضعيف .. هل يجلس على بابه ؟ فإن قالوا لخصلة منها : لا .. عزله !!
وفي موقف آخر قال عمر بن الخطاب : أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم .. ثمّ أمرته بالعدل .. أكنت قضيت ما علي ؟ قالوا : نعم .. قال : لا .. حتى أنظر في عمله .. أعمل بما أمرته أم لا ؟
أدرك الخلفية المسلم أهمية المتابعة .. فصار يسأل الوفود عن أمراؤه الذين يقوم بتعيينهم هنا وهناك .. ولم يكتف بالسؤال فقط .. بل أرسل مندوبين سريين عنه لتفحص الأمر دون علم أحد .. وقد روي عنه أنه أرسل إلى أبي عبيدة رضي الله عنه أربعة آلاف درهم وأربعمائة دينار .. وقال لمندوبه السري : انظر ما يصنع !!
فقسمها أبو عبيد بين الناس .. فلما أخبر عمر بن الخطاب بما صنع قال : الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا ..
المتابعة لها أشكالها الكثيرة .. وعلى القادة أن يمارسوها .. ولا أظن أن أحدًا قد يكون أفضل من أبي عبيدة رضي الله عنه .. لنقول أنه لا يحتاج للمتابعة !! فالثقة لا تعني عدم المتابعة .. والثقة لا تعني عدم السؤال .. والثقة لا تعني أن لا أعلم ما يحدث حولي .. !!
ومن أشكال المتابعة .. ما مارسه الخليفة عمر بن الخطاب .. السؤال والتقصي .. فقد سأل الوفود .. والتي تمثل المجتمع أو الناس عن أميرهم .. وتقصى بطريقة رائعة حينما أرسل مندوبًا سريًا عنه لمتابعة أمر في غاية الأهمية ..
ويمكن أن نطور هاتين الطريقتين .. فيصبح السؤال إما مباشرًا أو غير مباشر .. وقد يكون بطريقة الاستبيان أو المقابلة أو التقرير .. ويصبح المندوب السري عبارة عن إدارة مستقلة .. تعمل في مجال الرقابة الإدارية أو المالية .. تتبع للسلطة العليا مباشرة بدون أي وسيط .. ويختار عناصرها بنفسه ممن يثق بهم .. وتقوم هذه الإدارة بعملها في مجال الرقابة الوقائية والمتزامنة والتقويمية ..
تخيل نفسك قائد لأسرة من خمسة أفراد .. وفجأة اكتشفت أن أحد أفراد هذه الأسرة بدأ ينحرف .. ما هي خطواتك لحل المشكلة ؟!
بداية أنت في وضع جيد لأنك اكتشفت الأمر قبل أن تحدث الكارثة .. ويبدو أنك كنت تمارس المتابعة .. سألت وتقصيت فوصلت لهذه المعلومة الخطيرة .. فقمت بمنعها ووقفها فورًا .. هذا ما أردت توصيله .. لكن لو أن هذا الفرد انحرف فعلاً .. فأنت بالتأكيد لا تمارس أي نوع من أنواع المتابعة .. !! وستحتاج الآن لمن يعالج لك هذه المصيبة ..
لكن تخيل أن أفراد الأسرة والحمد لله لم ينحرف منهم أحد .. فيا ترى ما الذي فعله هذا القائد ليصل لهذه المرحلة الرائعة ؟ مرحلة الشعور بالأمان والاستقرار .. وما هو شكل المتابعة الذي قام به .. مما أدى لتدارك الأمر قبل حدوثه ..
إنها التربية السليمة في البيت .. أو قل رفع الكفاءة والتدريب في المؤسسات للوصول لأفضل جودة في الأداء .. ثم يأتي دور المتابعة المستمرة التي لا تقف للحظة واحدة .. السؤال والتقصي .. لابد من الاستمرار في السؤال ومعرفة الحقيقة .. ولابد من التقصي إما بشكل شخصي أو عبر رجال نثق بهم يطلعونا على ما يحدث .. لنكون في الحدث .. ونعالج الأمور قبل تطورها .. وعند اتخاذ أي قرار يجب أن نعلم أننا في عملية متواصلة .. وأن القرار سيحتاج ربما لعشرات القرارات بعده لتستمر الحياة .. ولتستمر مؤسساتنا ..
عماد الحاج