61 عاماً ولم يخبو الأمل

نشر 16 مايو 2009 | 06:28

بقلم/ محمد إسماعيل ياسين

كاتب صحفي
 

مرت سنوات النكبة الواحدة والستون بآلامها وجراحها وعذاباتها، مجرعة شعبنا المر والعلقم تشريداً وإبعاداً وتهجيراً، مرت وكأن فصول مآسيها الموغلة في الألم وقعت بالأمس، فمازالت أوجاعها تنهك الجسد الفلسطيني، وصورها تتجدد كل يوم على وقع استمرار الآلة الحربية الإسرائيلية في نشر الخراب في ربوعنا وقرانا ومخيماتنا، مشردة آلاف الأسر الفلسطينية تحت سمع وبصر العالم المتغني بحقوق الإنسان وكرامته المتأصلة. 

مرت سنوات النكبة الواحدة والستون، وكل حين ينكب الشعب الفلسطيني نكبة جديدة، لم يكن العدوان الهمجي والبربري على قطاع غزة أكثرها قسوة؛ فالحصار الخانق الذي أرخى سدوله على مختلف تفاصيل حياتنا اليومية في غزة يمثل نكبة، يضاعف مراراتها تخاذل القريب والبعيد، وكذلك ما تخفيه الأيام الحبلى بالتطورات على أكثر من صعيد، لاسيما أن وسائل الإعلام تبشرنا بين الحين والآخر بأن توجيه ضربة جديدة لغزة الجريحة قيد دراسة أركان حكومة بنيامين نتنياهو الغارقة في أوحال التطرف والعداء للشعب الفلسطيني. 

مضت النكبة بأحداثها لكنها باقية بآثارها وأوجاعها، فمازال الشوق يحرق قلوب الجدات على الضيعة وعلى الحاكورة والبستان، ومازال الأحفاد يتلقفون بشغف كبير مفتاح العودة عن الأجداد، ولسان حالهم العهد هو العهد بأن نعود إلى الديار ولو بعد حين. وليتها كانت نكبة واحدة، فما تبعها من نكبات أدمت الجسد الفلسطيني الذي تناوشته الطعنات والضربات من كل صوب وحدب، حتى بات لجوء الفلسطيني إلى الدنمارك والسويد وسويسرا الحل الممكن والمتاح بعدما عجزت دول العرب على اتساعها أن تستوعبه.

إن الأخطر من النكبة ذاتها، هو أن تنحرف البوصلة باتجاه آخر غير القدس والأقصى والعودة إلى الديار عبر التساوق مع مشاريع غربية ظاهرها الرغبة في إنصاف الشعب الفلسطيني ورفع الظلم التاريخي عنه، وباطنها تصفية القضية برمتها، وإتاحة المجال أمام مشروع احتلالي جديد يفتت أوصال الأمة، ويحول دون نهوضها لأداء دورها الحضاري في قيادة البشرية نحو الطمأنينة والعدل والمساواة.   

واهمة (إسرائيل) ومن حالفها اليوم، إن ظنت أنها إلى أبد الدهر قائمة على الأرض الفلسطينية، وأن ضعف الأمة العربية والإسلامية لا فكاك منه، بل إنها مهما امتلكت من قوة مادية وتجبرت في استخدامها ضد الأطفال والنساء والشيوخ، فلن يغني كل ذلك عنها ساعة الحقيقة شيئاً، وإن ساندها ودعمها ووقف إلى جانبها دعاة الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان في مشارق الأرض ومغاربها، وفي التاريخ عبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

في ذكرى النكبة الحادية والستين، نوقد شمعة أمل جديد، ونرفع راية نصر يلوح في الأفق غير البعيد، ونعلي صرح المجد الأكيد، ونبشر بقرب زوال الكيان الغريب، وإن رأى في ذلك بعض من تاهوا في مفترقات الطريق، أضغاث أحلام لا تمت لحقائق اليوم من قريب أو بعيد، غاضين أبصارهم عن حقائق التاريخ والوعد الإلهي الأكيد.

إن العودة إلى حيفا ويافا وعكا واللد والرملة وصفد والجليل ودير سنيد ويبنا والسوافير وغيرها من المدن والقرى، ليست مجرد حلم لاجئ أضناه اللجوء، وليست شعار تردده الألسنة كل حين، بل إنها حياة ووجود وتاريخ فضلاً عن كونها عقيدة بالنسبة للفلسطيني المفطور على ضياع البلاد منذ ذلك الزمن العالق في الذاكرة. فالعودة إلى الديار تتراءى صباح مساء لكل قلب خفق حباً ولوعة بفلسطين، كما أنها لم تفارق مخيلة الأجداد والأحفاد الذين توارثوا ذلك المفتاح مع أوراق الطابو والكوشان، فرغم مضي واحد وستين عاماً، لم يخبو فينا الأمل بالعودة، وكأن حيفا ويافا واللد والرملة تنادي صباح مساء أني إليكم قد اشتقت، وشوقنا إليها أشد، وإن غير فيها الاحتلال الغاصب ما غير من معالمها، لكن نبضها عربي. 

في الذكرى الحادية والستين لنكبة فلسطين، لن نبكي على الأطلال، ولن نذرف الدموع على ضياع الديار، بل سنشدو لحن العودة القريبة بإذن الله، وسنبشر بزوال الاحتلال، فما هذه السنوات التي اغتصبت فيها فلسطين إلا لحظة عابرة في تاريخ الشعوب والأمم والحضارات، وحين تعود الأرض لأهلها سيندم كل من حاد عن الطريق.