فتحي حماد ... مسيرة إعلامية متألقة

نشر 11 مايو 2009 | 08:04

 
حتى منتصف 2003 لم يكن للحركة الإسلامية في فلسطين صوت  إعلامي  تنقل من خلاله مواقفها وتنشر فكرتها وترد على  المتربصين بها ، سوى صحيفة  أسبوعية يتيمة سرعان ما كانت تلاحق وتصادر مقتنياتها إن تجاوزت  خطوطا حمراء كثيرا ما وضعت أمامها ، في مقابل وسائل إعلام كثيرة لحركة فتح تنوعت ما بين صحف وتلفزيون رسمي وعشرات المحطات الأرضية و الإذاعية في الضفة وعدد من إذاعات الأف أم التي بدأت تتكاثر في غزة بلون واحد وحديث يميل نحو هدف واحد وضيوف يحملون مسميات براقة لم تترك مجالا للآخرين أن يزاحمهم فقد كانت ما يسمى بديمقراطيتهم ... أكذوبة الصباح والمساء .

 

كان الجميع ينتظر ميلاد إذاعة للحركة الإسلامية ليشق ضجيج الأصوات الأخرى التي أصبحت مزعجة ومملة ، وبوقا للاستسلام أحيانا .... والرقص والتحريض و الإفك أحيانا أخرى ، وقد قيل يومها إن دراسات عديدة قدمت للشيخ الشهيد الإمام أحمد ياسين والدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي والقائد الشهيد صلاح شحادة _ رحمهم الله

_ لإنشاء إذاعة محلية تلبي طموح جماهير الحركة الإسلامية المتعطشة لوسيلة إعلامية خاصة بهم ، إلا أن الأمر بقي مجرد دراسات لزمها الكثير من المتابعة  .

 

ثمة رجل آخر كان يعمل بصمت وهدوء ، ويسعى جاهدا لترجمة هذه الدراسات إلى حقيقة تشبع رغبات المنتظرين بالسرعة الممكنة ، ولم يكن الأمر وقتها بالسهل ، فالاحتلال لم يزل بغزة يتحكم  بالمعابر ، ويدقق بكل ما يدخل إليها  ، ولن يسمح بأن تكون لحركة حماس إذاعة تختصر عليها المسافات وتجعلها توصل رسالتها إلى كل بيت ومكان ، والسلطة الفلسطينية التي احتكرت الإعلام لم تكن لترغب بأي وسليلة إعلامية إذاعية أو مشاهدة تبث من غزة غير ما يعبر عن فلسفتها وسياستها .

 

هذا الرجل لم يكن يعرف اليأس ، وقد وضع أمامه هدفا ولم  يسمح لأحد بمصادرته أو التشويش عليه ومنعه من تحقيقه ( يجب أن تكون للحركة الإسلامية إذاعة وتلفزيون وفضائية تنطق باسمها ) هكذا كان يقول ..... ومن حوله كان يدرك ماذا يعني أن يقول !!!

 

وبمزيد من السرية والعمل وكثير من الجدية والإصرار انطلق صوت الأقصى عل يديه من وسط غزة يوم 14/6/2003 على موجة 90.5 FM ... عمت أجواء الفرحة كل بيت ، فلأول مرة تنطلق الأناشيد الإسلامية من موجات الأف أم دون توقف ، وكان السؤال الممزوج بالخوف يومها .. هل ستسمح السلطة لهذا الصوت أن يبقى وينتشر دون أن تعكر صفوه ونقاءه؟! جاءت الإجابة بعد 11يوما من البث التجريبي ، عندما اقتحمت قوات الأمن الفلسطينية مقر الإذاعة ، وصادرت أجهزة البث وأسكتت الصوت المنتظر منذ زمن .

 

ابتسم هذا الرجل يومها وأدرك أنه يسير بثبات في طريق النجاح وتحقيق الأهداف الكبيرة ، وان قواعد اللعبة بدأت تتغير ، وأن الحرب الإعلامية المضادة ضرورة ملحة تفرضها الظروف وتمليها مجريات الواقع المتغير .... ويجب الاستمرار فيها مهما كلف ذلك من ثمن وجهد ، بل إن العمل يجب أن يكون بنَفَسٍ أطول وهمة أكبر من ذي قبل ، وليتمكن بعد 4 أشهر من إعادة الأجهزة المصادرة والانطلاق بأول دورة برامجية لصوت الأقصى ، برؤية جديدة وضع ملامحها في إطار التصور الإسلامي الشامل في فهم الحياة .

 

في الوقت الذي كانت الإذاعات المحلية في غزة تنمو وتتزايد ، وضراوة حربها تستعر أكثر... كانت أفكار هذا الرجل تحلق بعيدا ، وقد ازدادت أهدافه وتوسع مداها بعد أن حقق من الإذاعة ما أراد ، وسلم رايتها لأبنائه الذين تشربوا منه سمو الهدف ونقاء الغاية وجمال الوسيلة ، وكلما أفشى بأسرار أفكاره وأحلامه لأحد  كان يضحك منه ويقول ( انك تتجاوز بأحلامك الواقع !! ) ، ولم يدرك أولئك أن الواقع الذي نعيشه قد فرض عليه أن لا يَعرف المستحيل ويستسلم له ، وأن لا تبقى أحلامه مجرد أحلام تراوده ليلا ونهارا ،يتحسر على عدم تحقيقها ، وهو المؤمن  بأن حركته تملك من القدرات والمواهب ، والعقول والمبدعين ما يمكنها من فعل الكثير ... لو أرادت .

 

بدأت الأحلام تتحقق شيئا فشيئا ، وتوارى من كان يسخر من أحلام هذا الرجل جانبا ، عندما ضبطوا أجهزة التلفاز في بيوتهم بتاريخ 1/9/2006 على موجة 62 في ترددات UHF ، حيث موقع مرئية الأقصى في بثها  التجريبي والتي حلت ضيفا جديدا في عالم القنوات الأرضية ، وابتسم هذا الرجل مرة ثانية قائلا :'حماس تسعى إلى إنشاء أجهزة إعلامية إسلامية لتثبيت الثقافة الإسلامية ونشر الوعي في كل المجالات ، ثقافة تنبثق من معاني الإسلام وتتفق مع روح العصر والتقدم والانفتاح على كل شعوب العالم لنقل حضارة الإسلام على جناح البناء الإنساني الذي يحترم فطرة الناس جميعاً ولا يتصادم معها كما هو مشاهد وملموس من خلال الإعلام العالمي الذي يصدم فطرة الإنسانية ويقضي على الطهارة وينشر الرذيلة ويبث روح الفرقة والعصبية لذلك يأتي الإعلام الإسلامي لتوحيد النظرة تجاه التعامل مع الإنسانية لرفع شأنها ولربطها مع خالق الكون لتتوافق مع سنن الله سبحانه وتعالى في الأرض '

  

كانت الطريق طويلةٌ  كثيرةُ المصاعب ، وكانت الأحلام أكبر من أن تقف هذه العوائق أمامها وتمنعها من الانجاز وتحقيق النجاح ، وعلى طريق التميز والإبداع أنشأ هذا الرجل مؤسسة الرباط للإنتاج الفني ، لترفد مرئية الأقصى بما تحتاجه من أعمال فنية ، فلم يكن يرغب أن يبتاع عملا من الخارج ، وأطلق بث إذاعة الأقصى مباشر ،  ثم أسس مركز الأقصى للتدريب الإعلامي وقد خرّج الكفاءات التي وجدت مكانها بعد ذلك في المؤسسات الإعلامية ، وبعد ثلاث سنوات كان الجميع عل موعد مع صرح إعلامي  شيد بهمة وعزيمة  حجرا بعد حجر .

 

ولعل 20/11/2006 التاريخ الأبرز في الحياة الإعلامية لهذا الرجل ، والبصمة الأوضح في سجل أعماله ، وهو تاريخ إيقاد شمعة قناة الأقصى وميلاد نجم تلألأ في سماء القنوات الفضائية ، ميلاد ... جعل الكثيرين يعيدون حساباتهم في فكره وأسلوبه وجديته ، وقد علموا أن أحلامه  اليوم واقع يتحقق بإذن الله في  الغد ، حتى وان كانت الحسابات المادية تتعارض وإمكانية تحقيقها ، وإن تزايد الواقعيون وأصحاب النصائح الثمينة ، وكثرت تثبيطاتهم والعثرات التي يلقون بها في طريق الرجال .... أمثاله .

 

ميلاد جديد .. جاء في موعده المناسب والدقيق لتصويب الأخطاء وتصحيح المسار أمام الحملات العربية والدولية التي سعت لتشويه فكرة المقاومة وأدوات الشعب الفلسطيني في اختيار ما يراه مناسبا لطرد المحتل ، وإعلام جديد ..  يُنظِّر للمقاومة ويحث على الجهاد ويفضح تجار الوطن ، إعلام هادف .. لا يدعو للفتنة ولا ينشر الفضيحة ولا يزين الرذيلة ، إعلام إسلامي ... بنظرة شاملة ورؤية جامعة وحكمة مقتبسة من القرآن والسنة .

 

لم يرق للأعداء والخصوم هذا النجاح المضطرد والسريع الذي تحقق خلال فترة وجيزة ، وعلى أيدي شباب في مقتبل عمرهم ، بعضهم تخرج للتو من الثانوية العامة وآخرون ما زال يستخرج شهادة قيده من جامعته ، لم تفتح المعابر أمامهم ليتلقوا الدورات المتخصصة من أرقى مراكز التدريب في العالم ، ولم يلتقوا بكبار الإعلاميين وذوي الخبرة، لقد آمن هذا الرجل بقدرات الشباب  ومواهبهم ، فسخر لهم ما يستطيع من إمكانات ، وترك لهم هامشا من الإبداع والتميز ، فكانت النتائج وفق ما كان يطمح إليه ، وعندما سددت الضربات نحو مقرات العمل ، نفض الغبار عنها سريعا وأعاد إليها الحياة من جديد ، فعادت تنبض من جديد بالشباب  

 

 

وما زال هذا الرجل يبتسم ويبتسم وهو يرى بنيانه الذي رعاه منذ البداية يكبر وينمو كشجرة باسقة ، ويزداد تألقا عندما يخطط لما بعده...يسلم الراية لغيره ، ويبدأ بمشروع آخر يخدم مؤسساته ويدعمها ، فكانت وكالة شهاب ، ثم مدينة أصداء الإعلامية للإنتاج الفني .... شبكة إعلامية متكاملة خلال سنوات معدودة أرسى دعائمها بثقة وطمأنينة ، وأنار بها فضاء الإعلام .... فماذا يحمل جديدا في جعبته ؟ وهل تعلم الآخرون كيف يكون الإنجاز على الأرض ؟