ما من شك أن العمل الصحفي أثناء الحروب يختلف عنه في الأوقات الأخرى، وهو ما عشناه واقعا في الحرب البربرية الأخيرة على قطاع غزة، حيث استهدف العدو الصهيوني كل معالم الحياة الفلسطينية دخل القطاع، فكان الأطفال والنساء والشيوخ على قائمة الأهداف المطلوبة، عدا عن استهداف المؤسسات بكافة أنواعها الصحية، والإغاثية، والأممية، ومن ضمنها كان استهداف المؤسسات الصحفية عدا عن الصحفيين أنفسهم بهدف طمس الحقيقة، وإعدام الكلمة.
لذا كان العمل الصحفي أثناء الحرب أشبه بالبحث عن الموت حيث لا مكان آمن يلجأ إليه الصحفي ليحمي نفسه من صواريخ المحتل الغادرة.
لكن يبقى شرف المهنة والواجب الصحفي أقوى من أي استهداف، ليصل الصحفي إلى قلب الحدث وينقل بكل موضوعية وأمانة مجريات الأحداث وينقل الشهادات الحية لمن كان له الدور الأبرز في الحدث إما مشاركاً أو شاهداً.
والنصيحة تبقى للأخوة الزملاء خاصة العاملين في الإذاعات المحلية لما للإذاعة من أهمية كبيرة خاصة وقت الحرب الأخيرة على غزة، فلا كهرباء لمشاهدة التلفاز، ولا مطابع للصحف اليومية أو الأسبوعية، ويبقى الراديو الذي يعمل على البطاريات رفيق آلاف المواطنين والأسر الذين منعهم الخوف والقتل من الخروج من منازلهم، لتقوم الإذاعة المحلية بدور الإعلام والإخبار و التوجيه والإرشاد ورفع الروح المعنوية.
لكن ما حدث أثناء الحرب لم يصل للأسف لذلك المستوى، حيث قامت بعض الإذاعات المحلية ومن خلال مراسليها المنتشرين داخل القطاع بنقل أخبار غير صحيحة حول استهداف أو توغل أو المبالغة في ممارسات الاحتلال بحق المواطنين من قتل وإعدام في الشوارع وغير ذلك من المشاهد المروعة مما أحدث تأثيرا معاكسا لدى المواطنين ، الذين زاد خوفهم، وأصيبوا بصدمة نفسية، وتسللت إلى نفوسهم الهزيمة، وهبطت معنوياتهم، وهذا ما يريده العدو منا وهي الهزيمة النفسية نظراً لما مارسه أثناء الحرب من حرب نفسية غير مسبوقة من حيث الوسائل والكثافة، حيث وصلت هذه الحرب إلى كل مواطن داخل بيته عبر الاتصالات الهاتفية المتكررة.
وفي المقابل قام بعض المرسلين بدور معاكس للصورة الأولى، حيث بالغ بعضهم بقدرة المقاومة، وروج للبيانات من بعض الفصائل التي أخرجت أخباراً غير واقعية ولا أساس لها من الصحة، مثل قتل عشرات الصهاينة يومياً وصد قوات الاحتلال وتراجعها، وحجم الغنائم الكبير الذي غنمته فصائل المقاومة من الاحتلال أثناء انسحابه مهزوماً ومدحوراً، عدا عن الرسائل الميدانية التي يبثها بعض المراسلين والتي خرج من خلالها عن عمله الصحفي ليشبه أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب إبان حرب إلـ 67 في عهد الراحل جمال عبد الناصر، حيث بالغ في قدرات المقاومة وإمكانية سحق القوات الغازية مما أحدث ارتياحاً كبيراً لدى من يستمع إلى هذه الخطابات غير الصحفية، حتى أصبح بعض المواطنين غير مبالي بهذه الحرب أو الاجتياح ولم يأخذ بالأسباب اللازمة في مثل هذه الظروف لقناعته أن قوات العدو لن تتعد عشرات الأمتار بعد السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، حتى تفاجأ بوصول الدبابات الصهيونية إلى بعض الأحياء السكنية داخل مدينة غزة، وما صاحب ذلك من قتل واعتقال لبعض المطلوبين في مفهوم العدو الصهيوني.
وأخيراً أتوجه لزملائي العاملين في الميدان بكل معاني الاحترام والتقدير لما بذلوه من تضحيات وجهد وعرق في سبيل نقل الصورة وتسجيل الحدث وفضح جًرائم المحتل، وأؤكد بضرورة التحلي بروح الموضوعية والمنطقية أثناء العمل الصحفي وقت الحرب لأن المبالغة والتهويل أو التكتم والتضليل نتائجها سلبية علينا كشعب فلسطيني قبل كل شئ.