لهذا كان على وزير الداخلية ان يستقيل.

نشر 25 ابريل 2007 | 03:14

اتخمت الاقلام والتحليلات عقولنا بالحديث عن خطة الحكومة الأمنية، فمن هذه الأقلام من اثني على الخطة وتمنى لها النجاح، ومنهم انتقد الخطة وتوقع لها الفشل، وكلا الفريقين لم يخضعا حديثهم عن الخطة الأمنية للمعايير الموضوعية المجردة من الخلفيات والأحكام المسبقة، الا ان وزير الداخلية قطع قول كل خطيب واشهر استقالته، لذا علينا إخضاع الخطة الأمنية للحكومة لمعايير موضوعية كي يسهل على الجمهور فهم دوافع استقالة الوزير بما يجنبنا التخمينات الباطلة والظنون السيئة ، وسننطلق في بداية الحديث عن توصيف موضوعي للحالة الامنية قبل الخطة، ثم بوصف موضوعي للحالة الأمنية حال تطبيق الخطة، ثم بالتوقعات لجهة نجاح او فشل الخطة اذا بقيت هذه العوامل

أولا: الحالة الأمنية قبل تطبيق الخطة:

يعلم الجميع أن السلطة الفلسطينية ولدت في أعقاب اتفاقات أوسلو التي أرادت إسرائيل منها خلق كيان فلسطيني يعفيها من مسؤولياتها الأمنية والإنسانية حيال ملايين اللاجئين في الضفة والقطاع بما ينهي الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أرهقت المؤسسة الأمنية الصهيونية وشوهت صورتها الإنسانية أمام العالم، فيما أرادت المنظمة منها أن تكون خطوة على طريق إقامة الدولة الفلسطينية.

فتقاطعت مصالح الطرفين –إسرائيل والمنظمة- في إنشاء مؤسسة أمنية قوية قادرة إسرائيليا على وقف الانتفاضة وقمع وملاحقة  المقاومين، وقادرة فلسطينيا على قمع المعارضين لاتفاقات أوسلو، الأمر الذي أطلق يد إسرائيل في اختراق المؤسسة الأمنية الفلسطينية من خلال التنسيق الأمني الوثيق في تعيين رؤساء هذه الأجهزة ومفاصلها الحساسة وتمويلهم وتقديم تسهيلات كبيرة لهم.

وبما أن المؤسسة الأمنية  الفلسطينية في أراضي السلطة كانت هي الأولى من نوعها خلال عشرات السنوات فقد حرصت الدول العربية المحيطة على أن يكون لها موقع قدم في هذه الأجهزة خصوصا مصر والأردن بما يحمي مصالحها، لذى كانت لمصر والأردن قيادات ومفاصل في هذه الأجهزة.

كما حرصت الأجهزة الأمنية العريقة كالمخابرات الأمريكية وغيرها وضمن سياستها الاستعمارية الإمبراطورية ان يكون لها قاعدة معلومات هامة في اسخن بقعة في منطقة الشرق الأوسط.

ولما كانت المؤسسة الأمنية قائمة بشكل مباشر ورئيس على تنظيم حركة فتح التي في النهاية لها مصالحها الخاصة في السيطرة على هذه المؤسسة بما يسمح لها بقمع المعارضين ويؤمن لها الاستمرار اكبر مدة ممكنة.

هذا الأمر خلق قيادات كوادر رأت في المؤسسة الأمنية بما كانت عليه كنز ثمين وبطة تبيض ذهبا فكان لهم مصالحهم الخاصة في هذه الأجهزة.

هذا الأمر جعل المؤسسة الأمنية الفلسطينية تتوزع بين عدد من الأجندات المتقاطعة في أوقات والمتصارعة في أوقات أخرى وهي: اما  مرتبطة  بالمحيط الإقليمي وبالأجندات الخارجية للدول الاستعمارية.

- واما  مرتبطة ببرامج الكيان الصهيوني

- وأما بالفصائل السياسية بالساحة الفلسطينية

- وأما مرتبطة بمصالح قيادات وكوادر الأجهزة الأمنية وأباطرتها.

فخلقت مؤسسة أمنية خاضعة بشكل كبير للتأثير الإقليمي والقوي السياسية والفصائل وأمراء وكوادر الأجهزة الأمنية، حيث غابت المفاهيم الموحدة النابعة من القانون والسياسة المبنية على المصالح الوطنية الخالصة، وغيب القمع الذي مارسته هذه الأجهزة المجتمع المدني وأجهزة مراقبته بكل مكوناته القانونية والدستورية فتماهت المهام والصلاحيات وقواعد الأمن والنظام مع مصالح الأطراف سابقة الذكر.

واستمرت هذه الحالة وان بشكل اقل سفورا إبان انتفاضة الأقصى وصولا إلى حكومة الفلسطينية العاشرة التي رفضت كل القوى المشاركة إلى جانب حماس في تشكيلها بهدف عزلها ثم اسقاطها،  حيث مارست هذه الأجهزة وطبقا للأجندة الصهيونية والأجندة الإقليمية والخارجية ثم طبقا للأجندة الفصائلية لحركة فتح وما أطلقت عليه كونداليزا رايس بالفوضى الخلاقة، وطبقا لمصالح ونفوذ أباطرة الأجهزة وحيتانها من اجل إسقاط الحكومة الفلسطينية العاشرة، الأمر الذي فتح الباب والمجال واسعا أمام أنواع متعددة من الفوضى طبقا لأجندات أخرى لم تكن موجودة على الساحة الفلسطينية مثل الأجندات العائلية والأجندات الإجرامية

كل هذه الحالة خلقت حالة أمنية مرتهنة لعدد من الأطراف متقاطعة ومختلفة المصالح، فكانت مصلحة إسرائيل في استمرار الفوضى لان النظام والأمن والاستقرار يحتم عليهم استحقاقات لا تريدها وتسعى للهروب من تطبيقها.

وكانت مصلحة حركة فتح بسوء نية أو بحسن نية، بجهل أو بعلم وبغير إدراك حقيقي لاستحقاقات التعددية السياسية التي تقضي إنهاء تعدد السلطات باستمرار هذه الفوضى أملا بعودتها إلى الحكم مرة أخرى.

 كما تقاطعت مصلحة أباطرة الأجهزة الأمنية وحيتانها ومنتسبيها باستمرار هذه الفوضى للاستفادة من التناقضات بين الفصائل بما يسمح لها بتمدد نفوذها وتحقيق مصالحها الخاصة.

الحالة الأمنية حال تطبيق الخطة:

ومع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والاستبشار الشعبي بعودة الأمن الهدوء  للشارع الفلسطيني مع تولي وزير مستقل لحقيبة الداخلية رغم قلة خبرته الأمنية العلمية  والعملية، فقد اجتهد الوزير بوضع خطة أمنية مستعينا بعدد من الخبراء في الداخل والخارج، إلا أن هذه الخطة ودون التقليل من أهميتها كتعبير عن إرادة الحكومة في إنهاء حالة الفوضى الخلاقة والفلتان العائلي والإجرامي، أغفلت وللأسف العوامل الموضوعية السابقة كمتسبب فعلي وحقيقي بهذا الفلتان وهذه الفوضى.

وبنيت الخطة مستندة على مرسوم رئاسي بإعادة تشكيل مجلس الأمن القومي الذي ضم وزير العدل ووزير الخارجية ورئيس جهاز المخابرات ومدير الأمن الداخلي ومستشار الأمن القومي ورئيس الوزراء وغيرهم.

وبنظرة موضوعية على المؤسسة الأمنية  نجد  انها لم تتغير ولم تتأثر بالانقلاب السياسي الذي شهدته الساحة الفلسطينية منذ اكثر من عام لجهة توحيد عنوان المؤسسة الامنية تحت يافطة قانونية محكومة بالدستور وخاضعة للرقابة، وجائت الخطة الأمنية لتتعامل مع هذا الواقع كما هو بل وتكريسه  وانسحب ذلك كما يبدوا على تركيبة ومكونات مجلس الأمن القومي الذي نجد ان اعادة تفعيله بهذه الطريقة يعبر ويطبق وجهة نظر وتعليمات الرئيس حيث أن اغلب أعضاؤه من لون واحد و موالون للرئاسة.

وابقت الخطة الأمنية على عناوين الأجهزة الامنية واباطرتها وحيتانها الذين هم جزء من الفلتان الامني المنظم السابق في مواقعهم واعتمدت عليهم في تنفيذ الخطة العتيدة لانهاء الفلتان، وهو امر لا يستقيم لا مع الواقع ولا مع العقل، نظرا لأن هؤلاء الذين هم نتاج أجندات خارجية وفصائلية وشخصية وليس نتاج خيار وطني حر نابع من إرادة وطنية مخلصة.

كما لم تغير الخطة مرجعية المؤسسة الأمنية المستندة الى لون واحد والى قرار رجل واحد وهو الرئيس لجهة إخضاعها للمؤسسات الوطنية المنتخبة القادرة على مراقبتها ومحاسبتها قانونيا وضبط تمويلها بما يمنع ارتهانها لأجندات والمصالح الخارجية او الفصائلية او حتى الشخصية.

كما أن المجلس ضم إلى جانب وزير الداخلية مسئول الأمن الداخلي الذي يقع تحت إمرة ومسؤولية وزير الداخلية، فكيف يكون الوزير كمخطط وكمشرف وكأداة محاسبة مع مدير تنفيذي على طاولة واحدة علما أن مدير الأمن الداخلي فشل خلال الفترة الماضية في ضبط الأمن وفي ضبط الأجهزة الأمنية ومنتسبيها، وكيف يستقيم ان يكون المخطط والمنفذ على طاولة واحدة وهل يكون التقييم والتقويم حينها يتسم بالنجاعة والنزاهة والموضوعية.

إضافة إلى أن الرئيس عين مستشارا له للأمن القومي احد الشخصيات الإشكالية المتهمة برعاية الفوضى الخلاقة.

الحالة الأمنية  بعد تطبيق الخطة:

نعلم هدف الحكومة من الخطة الأمنية هو استعادة هيبة السلطة وتحقيق النظام في إطار سيادة القانون، فهل يمكن تحقيق ذلك  برموز فقد الشارع ثقته بها وفقدت مصداقيتها.؟

وهل يمكن توفير هامش للقيادة السياسية للقدرة علي الحركة والمناورة في قضايا اهم واكبر، في ظل وجود عناوين للأجهزة الأمنية غير خاضعة بالكلية للقيادة السياسية وذوي ارتباطات بأجندات ومصالح مختلفة ومرتهنة ؟

وهل يمكن الإقلاع نحو الأمن والأمان لجهة تحقيق الحلم الفلسطيني بالتحرر والدولة في ظل أجهزة أمنية غير معروفة الصلاحيات وغير قائمة على أسس دستورية وليس سقفها القانون والقضاء المستقل والنزيه

فإذا لم تدخل الخطة الأمنية العتيدة ضمن حوار طني حقيقي  إلى عمق هذه القضايا ستبقى تتصف بالسطحية وبالتعامل مع ظواهر الفلتان وليس مع أسبابه الحقيقية.

ولتحقيق هذا  الأمر يجب إشراك الفصائل التي لها أجنحة مسلحة على وجه الخصوص من اجل تجلية الخط الفاصل بين سلاح المقاومة الحقيقي الذي يجب معايير انضباطية له، وبين وسلاح الفوضى الخلاقة والفلتان المنظم.

فإذا كان نجاح أي حكومة فلسطينية مرتبط بقدرتها علي معالجة المشكلة الأمنية، فان هذه القدرة مرتبطة بالقدرة والقوة على خلق حالة من التفاهم والتوافق بين الكل الفلسطيني حكومة ورئاسة وفصائل  لجهة إلغاء التصنيفات التي تخضع لها المؤسسة الأمنية بين أجهزة الرئاسة وأجهزة الداخلية بما لا يسمح بالتعاطي مع المخططات والأجندات الأمريكية والإسرائيلية بتوفير الدعم المالي والعسكري لجهاز دون آخر أو لجهة دون أخرى بهدف إرباك الساحة الفلسطينية واستعداء البعض ضد البعض الآخر، لهذا كله كان متوقعا أن يشهر وزير الداخلية استقالته لتوظيفها كجرس إنذار شديد اللهجة لكل الحريصين على امن الوطن والمواطن بما يضمن تصويب المسار وتصحيح المسيرة