حكاية الجواسيس

نشر 25 ابريل 2007 | 03:08

ظاهرة الجواسيس الذين يتعاملون مع الأعداء ظاهرة موجودة منذ القدم وفي كل الثورات، حيث ترجع هذه الظاهرة إلى أسباب وعوامل كثيرة، أهماها التنشئة والانتماء للوطن والعقيدة ..، فكلما قوي وزاد منسوب الانتماء والتنشئة السليمه وتم بناء عقيدة قوية ومتينة للفرد، كلما قلت وانخفضت نسبة التعامل والتخابر مع الأعداء، وكلما انخفض منسوب الانتماء والولاء والتنشئة وضعفت العقيدة والتضحية كلما زادت نسبة من يسقطون في شباك الأعداء وبالتالي يضعفون الثوره الوطن ويعيدونه سنوات للوراء.

ما حصل قبل فترة وجيزة من القبض على جاسوس مصري 'العطار'  يعمل لحساب المخابرات الصهيوينة ليس بالخبر الجديد، ولكن أن تقوم بعض المحطات العربية ببث أفلام أو مسلسلات مثل الطريق إلى تل الربيع 'تل ابيب ' أو رأفت الهجان، تظهر مدى قدرة وقوة المخابرات العربية في اختراق العدو الصهيوني وتحطيم قدراته العسكرية ويحقق لأمتنا النصر العظيم على الصهاينة. نصراً مازلنا نتذوق حلاوته في الصباح والمساء وكل الأوقات وخصوصاً في المنام والأحلام والأفلام. والفضل الأول يعود طبعاً لأجهزتنا الاستخباراتية البارعة في تجنيد وزرع الجواسيس في قلب العدو، وليس العكس!!

عرض مثل هذه الأفلام والمسلسلات محاولة غير موفقة لرد الاعتبار لأمة عظيمة وكبيرة تتباهى، بمناسبة وغير مناسبة، بأمجادها وعراقتها وإذا بها تبدو أمام العالم أضحوكة مخترقة من قبل كيان صغير مجرم وإرهابي حديث التكوين بعمر ستون عاما، مقابل أمة عظيمة عمرها ألاف السنين. عبر الأفلام والمسلسلات نحن منتصرون على الصهاينة فقط، وعبر الواقع والملموس نحن نجتر هزيمتنا صباح مساء، والادهى والأمر من كل هذا أن تتعامل الأنظمة العربية مع مواطنيها بنوع من الاستخفاف فاق استخفاف فرعون بقومه ' فأستخف قومه فأطاعوه'، فمن يهزم في المعارك ويتسلط على شعبه هو من يخترق من قبل الأعداء وليس العكس.

 الكل يعرف أن المخابرات العربية لا تسهر على اختراق العدو بل تسهر على اختراق المواطن وعد أنفاسه وإذلاله وقمعه، وبالتالي هي تسهر على أمن الفئة الحاكمة ولا نقول راحتها ، لأن من يسرق حرية شعبه لا يعرف الراحة أبدا .

 الاستخفاف بالشعوب العربية لهذه الدرجة يشكل إهانة لعقولنا ولكل غيور وشريف حريص على أمته، والشريك في إجرام الحكام العرب كثيرون وهم من يروجون  ويحولون النكسات إلى انتصارات خاصة وسائل الإعلام، هؤلاء صوروا لنا ضباط وجنود جيوشنا المهزومة والتي جلبت العار لامتها، على أنهم أبطال منصورون، وجعلوا من أجهزة المخابرات 'البطلة على مواطنيها' المخروقة حتى النخاع، جعلوا منها عقولا فذة خارقة تخترق حصون الأعداء بذكاء خارق وحارق للأعداء... أوهام وخرافات زرعوها في عقول الأجيال على مدى 40 عاما من الهزائم ، واليوم يعاودون نفس المحاولات وبنفس الأساليب الكاذبة والبالية...ومن حماقاتهم وجهلهم أنهم يظنون أن الأجيال.. هي.. هي.. لا تجري عليها تحولات وتغيرات.

 في الحالة المصرية ما بين فترة وأخرى تطلع علينا مخابرات مصر العظيمة الذكية والتي لا يشق لها غبار، تطلع علينا بالقبض على أحد الجواسيس التابعين للعدو، ويبدأ الإعلام الرسمي المصري بالتزمير والتهويل من قدرة المخابرات المصرية وتصويره بالحريص على أمن مصر وحرية وكرامة أبنائه، والعكس هو الصحيح حيث أن سجون مصر مليئة بالشرفاء والمخلصين لأمتهم كحال الأنظمة العربية، بينما يصول ويجول كل فاسد بفسده وتخريبه للوطن والأمة، والهدف من إبراز حالة القبض على احد الجواسيس هو إظهار النظام المصري بالحريص على أمن الوطن والمواطن، للتغطية على ما يقوم به من أعمال وتراجعات على المستوى المحلي والعربي والدولي.

 في الحالة الفلسطينية لا يختلف الأمر كثيرا فقد كانت أجهزة الأمن الفلسطينية بارعة وذكية وأبدت قدرة خارقة في وقف المقاومة لخلايا القسام العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة عبر الزج بكل من تشك فيه بالانتماء للقسام في السجن، وأوجدت سابقة لم تحصل وهي الاجتماعات للتنسيق الأمني العلني مع الصهاينة كسابقة لم تحصل من قبل، ومع ذلك لم تعجب الصهاينة، كل ذلك كان في بداية دخول السلطة إلى الضفة والقطاع حيث كان شعار المصالح العليا للشعب الفلسطيني تتطلب ذلك بحسب وجهة نظرهم، ألان في حالة حكومة الوحدة الوطنية يجب أن يكون مفهومنا للأمن هو فقط لحماية المقاومة ووقف الفلتان الأمني الذي يسئ للقضية ومحاسبة كل من تخابر مع الصهاينة، وآن الأوان لتحقيق ذلك قبل فوات الأوان ليكون نموذجا راقيا يحتذى به للحالة العربية والإسلامية خاصة الحالة المقاومة في العراق والصومال والسودان ولبنان...

ولا يغيب عن بالنا أن حالة الأمن للفصائل الفلسطينية المقاومة لا تسر صديق، حيث يقوم الاحتلال كل يوم باختراق الأمن الشخصي للمطاردين ويقوم بتصفيتهم، فيما يبدو ان الفصائل المقاومة لا تبدي جدية عالية في كشف أساليب الاحتلال في الاختراق وزرع العملاء، خاصة استخدام التقنية الحديثه في التنصت وملاحقة المطاردين ومن ثم تصفيتهم وهذا يشكل خسارة فادحة للمقاومة الفلسطينية، فالمقاوم أو المطارد وعلى اختلاف انتماءه وتوجهاته هو ملك لشعبه وثورته وليس ملك نفسه، ولشعبه وأمته الحق الكامل عليه أن يحتاط بأقسى درجات الحيطه والحذر، فالمسير طويل والزاد قليل وساعة التحرير قد تطول أو تقصر ....

في جميع الأحوال وعلى المدى القريب منه والبعيد سيكون النصر في النهاية للمقاومة القائمة على أسس علمية وذات تخطيط دقيق ومدروس وبرنامج موحد، وما حالة الاحتلال وجواسيسه والاغتصاب وقمع وسلب الشعوب لحريتها الا حالة عابرة سرعان ما تزول، كما حصل في السابق مع جميع الثورات والشعوب وكما يحصل حاليا في كل من فلسطين والعراق وافغانستان والصومال...' ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا'.