بقلم الصحفي: إسماعيل الثوابتة
بدأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة تنحرف بوصلتها عن الكثير من الأهداف التي كانت تضعها نصب عينها، والتي تتمحور في تقديم الخدمات والإغاثة لأبناء الشعب الفلسطيني اللاجئين، الذي طردوا من بيوتهم عنوة جراء المجازر التي ارتكبتها عصابات الهاجاناة وقوات الاحتلال إبان النكبة الفلسطينية التي حلت عام 1948م.
جون كينج ساعد أكثر على حرف البوصلة عن اتجاهها المقصود، فشرع منذ أن تولي إدارة الوكالة في قطاع غزة إلى تغيير الكثير من السياسات ربما الاستراتيجية لدى الوكالة إياها، فأخذ يتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء التي لا علاقة لها بعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وقد ظهر ذلك جليا من خلال الإجراءات التي اتخذها على أرض الواقع من أجل تغيير دفة التعليم في قطاع غزة، حيث أننا نشهد بأن التعليم لم يكن كما كان في السابق.
قضية فصل المدرسين الأفاضل التي قرر جون كينج اتخاذها تثبت أن الرجل يحاول أن يتجرّأ على شخص المواطن الفلسطيني حتى في أخص خصوصيات حياته، وهذا ما لا نسمح به على الإطلاق كلاجئين فلسطينيين، ولعل مقالتي هذه ستجعل الوكالة تعيد النظر في اعتباري لاجئ مسجل في كشوفاتها، بيد أن الواقع وما يمليه علي ضميري وحرصي الشديد على مصلحة شعبي الذي أفتخر بأنني أنتمي إليه؛ يجعلني أكتب هذه الكلمات التي ربما توضح لكينج ما يدور في أذهاننا، ونعبر في ذات الوقت عن استياءنا الشديد تجاه قراراته وممارساته.
خطوة في الاتجاه الخطأ أقدم عليها جون كينج عندما قرر فصل مدرسين أكارم لهم باع طويل في التعليم وأصحاب فضل كبير علينا كتلاميذ تربينا على أياديهم الطاهرة، بدعاوى لا مبرر لها، ومزاعم لا أصل لها ولا أساس لها على الإطلاق، وبحجة أنهم ينتمون سياسيا إلى هذا الفصيل أو ذاك، هذه النقطة تعتبر تجاوزا خطيرا من إدارة الوكالة لكافة الخطوط الحمراء، ودعونا نقول لجون كينج 'stop'، لن نسمح نحن اللاجئين أن تتحكموا في انتماءاتنا السياسية وأن تمارسوا سياسة الفصل والطرد التعسفي من العمل الوظيفي، فهؤلاء المدرسين يجب أن نقف لهم وقفة إجلال وإكبار وتقدير واحترام وتعظيم على ما قدموه من جهد كبير في خدمة الوكالة وفي خدمة التعليم وفي خدمة قضيتهم وأمتهم وأبناء شعبهم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم التصرف معهم بهذه السياسة 'الحمقاء' التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وبالتالي فإنه يتوجب على جون كينج وإدارة وكالة الغوث وقف هذا القرار التعسفي وغيره من القرارات التي بدأت تهوي بالوكالة إلى مستوى متدني من الفهم والعقلانية.
لم نسمع في حياتنا في دولة من دول العالم أن يتم إرغام المعلم على الإمضاء على ورقة تفيد بـ 'أنني كمعلم أتعهد بعدم ممارسة أي نشاط سياسي سواء كان داخل العمل أو خارج العمل'، وبالتالي فإن ذلك يعتبر تدخلا سافرا في انتماء الإنسان الفلسطيني، فالمعلم له شخصيته وله انتماءه ومن حقه ممارسة ذلك لاسيما في انتهاج السياسة بما يخدم القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق شعبه، لأنه ليس من المعيب أن يقوم المعلم بالدفاع عن أبناء شعبه أمام غطرسة وعنجهية الاحتلال، وإننا نشبه ذلك بأنه يتوجب عليك أن تقف مكتوف الأيدي أمام الجلاد، وممنوع عليك ممارسة الدفاع عن نفسك، ابق هكذا حتى يأتيك قضاء الله بالفناء والهلاك، ونكرر ما قلناه سابقا 'stop' جون كينج، ليس المال كل شيء.
لم تكن القضية المطروحة وحدها التي شوهت سمعة الوكالة وكينج، بل هناك العديد من الإجراءات تم اتخاذها ساهمت هي الأخرى في حالة الانزلاق التي تعاني منه الوكالة في الأوضاع الراهنة، وساهمت كذلك في حرف اتجاه البوصلة عن مجراها المقصود، وجعل الكثيرون ممن يتقلدون مناصب رفيعة في الوكالة من التفكير بجدية في ترك العمل بالوكالة، ومن هذه الإجراءات هي تجرّأ بها جون كينج على العادات والتقاليد الفلسطينية، هو إقحام المعلمة في تدريس الذكور في المراحل غير الابتدائية، فمنذ متى يسمح للمعلمة الكريمة الفاضلة أن تقف أمام طلبة في سن النمو، وكأن الدنيا انقطعت من المدرسين الرجال الأكفاء، وهذا ليس تنزيلا من قدر المعلمة، بالعكس المعلمة صاحبة فضل كبير ولها دور متميز في إنتاج وإنشاء الطالبة المتميزة والأم الفلسطينية الرائعة، ولكننا نقول أن للمعلمة مكانها وللمعلم مكانه، وكل في رسالته يمضي ويؤدي رسالته المطلوبة منه، ومن هنا فإننا أيضا نطالب جون كينج وإدارة الوكالة أن يتراجعوا عن مثل هذا القرار الذي يعتبر خروجا عن العادات والتقاليد، وأن هناك العديد من الخريجين الذين ينتظرون فرص عمل، فالحلول موجودة وما عليكم إلا التنقيب والتفتيش والمتابعة واتخاذ القرار المناسب لا العكس، لأن ذلك ليس في مصلحتكم.
أما خطورة التحريض على المقاومة الفلسطينية التي تذود عن الأرض الفلسطينية وتدافع عن الإنسان الفلسطيني، فيريد جون كينج أن ينهيها عن الوجود، حيث أنه يحرّم على موظف الوكالة ممارسة أي عمل مقاوم ضد الاحتلال، وهذه قضية جديدة تستوجب الوقوف عندها والتفكير مليا فيها، وفي هذا الأمر بالذات أستحضر تلك الاجتماعات واللقاءات التي يعقدها جون كينج مع مدرسي ومدرسات وكالة الغوث، فيوضح لهم الرجل أن المقاومة تسيء إلى الشعب الفلسطيني لأنها تبني جيلا 'عنيفا' كما يقول، وإن المطلوب أن يكون الجيل رقيقا ناعما لا يدافع عن نفسه، ونحن نقول أن المثل الذي ضربه جون كينج في لقاءاته الذي كان عبارة عن صب مشروب 'الكولا' في عبوة من الماء، وبأن الكولا غيّرت لون الماء إلى لون سيء، في تشبيه بأن المقاومة غيرت صورة الفلسطينيين إلى صورة سيئة، وأيضا هنا نقول لجون كينج 'stop'.
إضافة إلى هذه المشكلات تضاف العديد من القضايا كمشكلة المناهج الدراسية والخطط التي رجعت بتعليم الوكالة إلى الخلف خطوات، علاوة على تكدّس المنهج الدراسي على كاهل الطفل والتلميذ الفلسطيني، ما أتعبه وأجهده وأجهد أهله معه، فأصبحت المناهج التعليمية وتكدسها همّا كبيرا على الآباء والأمهات وأولياء الأمور، وليس عنا تدني المستوى الدراسي للتلاميذ ببعيد، فلكنا يستمع يوميا إلى الشكاوى التي تنتقد سياسة الوكالة وتنتقد إجراءاتها، إضافة إلى الخروج عن المفاهيم والأبجديات الفلسطينية فيما يتعلق بتنظيم مخيمات صيفية بينها وبين الترويح والترفيه كما بين السماء والأرض، حيث تتضمن هذه المخيمات 'غير اللائقة' على العديد من البرامج الخارجة عن التقاليد الفلسطينية ليس أقلها ممارسة الرقص العلني بين الشباب والفتيات.
كل هذه الإجراءات والممارسات تهوي بالوكالة وبسمعتها إلى مهاوي غير محمودة، لذلك يتوجب أن نرفع أيدينا كنقطة نظام لكي تبدأ وكالة الغوث بتعديل البوصلة إلى اتجاهها المقصود.