بغض النظر عن الأهداف الحقيقية للنظام المصري من وراء تفجير الأزمة مع حزب الله، فإنه مما لا شك فيه أن الشعب الفلسطيني ومقاومَتَهُ هم الضحايا الرئيسيون لهذه الأزمة، في حين أن إسرائيل ستكون الرابحَ الأكبرَ باعتراف قادَتِها وكِبَارِ مُعَلِّقِيها.
ومما لا شك فيه أنّ الزَّجَّ المفتعلَ بحركة حماس في هذه الأزمة سيُؤَثِّر كثيرًا على قُدْرَةِ مصرَ على لَعِبِ دور الوسيط في الحوار بين حَرَكَتَيْ فتح وحماس.
فللأسف الشديد، فإنه هذه الأزمة ستُكَرِّس حالةَ انعدامِ الثقةِ بين حماس والنظام المصري، فلن يكون بِوُسْعِ مصرَ ممارسةُ التَّوَسّط بين فتح وحماس، في الوقت الذي تعتبره فيه الأخيرة مصدرَ تهديدٍ على أمنها القومي.
والذي يُثِير المرارةَ في النفس، أنّ جميعَ وسائلِ الإعلام الإسرائيلية قد أجمعتْ على أن تفجير القضية يَعْنِي أنْ تنجح إسرائيلُ في تحقيق أهمّ هدفٍ فَشِلَتْ في تحقيقهِ خلال حربها الإجرامية على القطاع غزة، وهو إضعافُ حركة حماس عسكريًّا؛ حيث يتوقَّع الْمُتَحَدِّثون الإسرائيليون أنْ تُشَكِّل هذه الأزمة نقطةَ تَحَوُّلٍ فارِقَةٍ في تعاطي القاهرة مع ظاهرة تهريب السلاح، وهم يشيرون إلى ' النجاحات ' التي أحْرَزَتْها الأجهزةُ الأمنيةُ المصريةُ أخيرًا في مواجهة عمليات تهريب السلاح، وإلقائِهَا القبضَ على عشراتِ الأشخاصِ الْمُتَّهمينَ بتهريب السلاح للقطاع.
في نفس الوقت، فإن تفجير الأزمة له دلالةٌ رمزيَّةٌ كبيرة، إذ إنها تعني تجريمَ التعاطفِ مع الشعب الفلسطينِيّ المنكوبِ بالحصار الظالمِ الذي تُمَارِسُهُ ضده إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر.
فحتى لو صَدَّقنا كُلّ ما قالته النيابة العامة المصرية، فإن ما يُنْسَبُ لحزب الله في هذه القضيةِ هو مساعدةُ المقاومةِ في القطاع في ظل الحصار. وللأسف الشديد، فإن هذا بالضبط ما فَطِن إليه وزراء الحكومة الإسرائيلية الذين أخذوا يكيلون المديح لمصرَ على ما قَدَّمَتْهُ من صنيع لتل أبيب من حيث لا تدري، أو من حيث تدري.
فقد اعتبر الوزير الإسرائيلي الجنرال يوسي بيليد أنّ الحملة المصرية على حزب الله تَعْنِي أنّ أنظمةَ الحُكْمِ العربية لا تتردّد في تجريم مظاهر دَعْمِ الفلسطينيين الذين يَرْزَحُون تحت الحصار، مُعْتَبرًا أن الخطوة المصرية هامَّةٌ جدًّا؛ لأنها تقول بوضوح: إن الدولةَ الأهَمّ والأكبرَ في العالم العربي لا تحتمل دَعْمَ الفلسطينيين في قطاع غزة '، كما قال.
ومن الْمُؤْسِف أنّ تفجير هذه الأزمة جاء في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الإسرائيلية اليمينية الْمُتَطَرِّفة تُوَاجِهُ أزمةً شرعِيَّةً كبيرةً وعميقةً بسبب مواقفها، لدرجةِ أنّ هناك مَنْ تَوَقَّع أن تسقط في أول اختبار.
وهاهم كبار المعلقين الصهاينة لا يُخْفُون شعورهم بالسعادة إثر تَفَجُّرِ هذه الأزمة مُعْتَبِرِينَ أنها كانت بمثابة ' هدية ' تلقَّاها نتنياهو؛ لأنها غَطَّت على الانتقادات الموجهةِ لحكومته بسبب طابِعِهَا اليميني المتطرف.
وقد أجاد المستشرق الصهيوني إيال زيسير عندما قال في مقالٍ نشرَتْهُ صحيفةُ ' يديعوت أحرنوت ' في عددها الصادر الأَحَدَ الماضي ' بدل أن تقوم الصحف المصرية بِعَرْضِ وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيغدور ليبرمان كشيطان، فإنها حولت حسن نصر الله إلى شماعة واتهمته بكل الخطايا، وبذلك فإنّ مصر أسْدَتْ معروفًا لإسرائيل، وتحديدًا لرئيس الوزراء الجديد نتنياهو '.
وفي تل أبيب بدءُوا يستَعِدُّون لاستغلال هذه الأزمة؛ لتبرير عدمِ التزامِ الحكومةِ الجديدة بِحَلِّ الدولتين كَحَلٍّ للقضية الفلسطينية. وتُقَدِّر المحافل الإسرائيلية أن نتنياهو بعد تفجير مصر هذه الأزمة، سينجَحُ في إقناع الأمريكيين بالعودةِ للتركيز على مواجهة العدو الحقيقي المتمثّل في ' الإسلام المتطرف '، متوقعةً ألا يمارس الرئيس الأمريكي باراك أوباما أيّ ضغوطٍ على نتنياهو للإعلان عن قبوله بحل الدولتين.
ووصل الأمر إلى حَدِّ أنّ هناك من وزراء إسرائيل مَنْ تَوَقَّع أنْ تُسْهِم هذه الأزمة في بناء تحالُفٍ بين الحُكُومة اليمينية المتطرفَةِ في تلّ أبيب والنظام المصري. فقد اعتبر وزير المواصلات في الحكومة الإسرائيلية يسرائيل كاتس أنّ مصر باتت ' مُؤَهَّلَةً ' لِلَعِبِ دورٍ هامٍّ في جُهُود إسرائيل بإسقاط حُكْمِ حركة حماس، مُؤَكِّدًا أنّ تَفَجُّر الأزمة الأخيرة يسمح لإسرائيل بما أسماه بـ ' تغيير قواعد الأزمة ' من أساسها. ويُقَدِّرون في إسرائيل أن تُسْهِم الأزمة في إقناع النظام المصري بمساعدة إسرائيل على تَطْبِيع علاقاتها مع الحكومات العربية، كما ورد ذلك في تقريرٍ صادرٍ عن شُعْبَة الاستخبارات الإسرائيلية.
وهناك في تل أبيب مَنْ يرى أنّ تَفَجُّر الأزمة يُحَقّق لإسرائيل هدفًا طالما حَرَصَتْ على تحقيقه، وهو الْمَسّ بشعبية حزب الله، بشكلٍ يُؤَثّر على فرص فوزه في الانتخابات التشريعية اللبنانية. فقد اعتبر روني دانئيل، الْمُعَلِّق العسكري في قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية أنّ مجرد توجيه مصر الاتهاماتِ لحزب الله، ولحسن نصر الله، على هذا النحو، يُقَلّص من شعبية الحزب، ويَرْسُمُ ظلالًا من الشك حول أهدافه، مُعْتَبِرًا أنّ ما فشلت إسرائيل في تحقيقه عبر محاولاتها إقناع الرأي العام العربي بأنّ حزب الله يعمل ضد المصالح العربية، فإن الحملة المصرية ضِدّ الحزب قد تنجَحُ في تحقيقه، مُسْتَذْكِرًا أن إسرائيل أنفقتْ ملايين الدولارات بعد حرب لبنان الثانية على حملةٍ دِعَائِيّة للنَّيْلِ من سمعة حسن نصر الله في العالم العربي، مُؤَكِّدًا أن هذه الحملة فشلتْ فشلًا ذريعًا. وتتوقع المحافلُ الإسرائيليةُ أنْ تُسْهِم الأزمةُ في تعزيز التعاون الاستخباري والتنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والمصرية.
لا يحتاج المرء للتعليقات الإسرائيلية حتى يعرفَ أن تفجيرَ الأزمة مع حزب الله ستكون محطةً أُخْرَى في تشديد الحصار الخانق على الشعب الفلسطيني!