6 سنوات مضت على تلك المغامرة الفاشلة التي بناها بوش الابن على أكاذيب واختلاقات حول امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل، وتأييد النظام العراقي للقاعدة والتنظيمات الإرهابية، كما تصفها أمريكا.
بدأت المغامرة في 20 مارس وسقطت بغداد بعد 3 أسابيع انتهت المغامرة بفشل محقق تحت وطأة المقاومة العراقية الجسورة والشجاعة التي انطلقت فور الغزو في مفاجأةٍ لم يعد لها الأمريكيون حسابًا، فقد كانوا ينتظرون استقبال العراقيين لهم بالورود فإذا بهم يستقبلونهم بالعبوات الناسفة على جوانب الطرق، وكانت أكثر الوسائل فعالية في إيقاع أكبر الخسائر بجيش الاحتلال التي اعترفت أمريكا بسقوط أكثر 4 آلاف قتيل، بينما يُقدِّر المراقبون أضعاف ذلك الرقم من المرتزقة الذين لا يحملون جنسيةً أمريكيةً، ويصل عدد الجرحى إلى عشرات الآلاف، ويزيد على مائة ألف يعانون عاهات دائمة، ويصل عدد المرضى النفسيين إلى نسبة هائلة من الجيش يمكن أن تصل إلى 25 -30 %.
منذ 6 سنوات كنت أُسافر بسماحٍ أمني لمرة واحدة، وكنتُ في طريقي إلى حضور لقاء للجالية الإسلامية في سويسرا، ومنها إلى لندن؛ حيث دعاني معدّ برنامج ومقدم (HARD TALKS ) سباستيان المذيع المشهور في قناة (BBC WORLD )، وفي أحد المطارات وقبل وصولي إلى لندن شاهدت صور سقوط بغداد، والمشهد الذي لخَّص ذلك كله، والذي ظهر أنه أُعدَّ تليفزيونيًّا؛ أقصد مشهد سقوط تمثال صدام الذي تجمَّع حوله عشرات العراقيين يضربونه بالأحذية، طبعًا: انقلب المشهد مع نهاية الأعوام الستة بمشهدٍ حقيقي هذه المرة: الصحفي العراقي الشاب والمذيع بقناة (البغدادية) يضرب بوش الحي وليس التمثال بحذائه مرتين فيخطأه ويُصيب العلم الأمريكي خلفه.
وصلت 'لندن' في جوٍّ باردٍ وممطرٍ، وانتظرتُ اتصالاً من التليفزيون أو المعدّ أو المذيع فلم يتصل أحد، وحاولتُ الاتصال لأن البرنامج كان في اليوم التالي وفشلت، وأخيرًا جاءتني رسالة اعتذار؛ لأن الحديث كان حول المقاومة العراقية والغضب الشعبي العربي ضد الغزو والاحتلال، وقد انتهى المشهد الأول بسقوط بغداد فلم يصمد العراق ولا المقاومة، والتي وعد بها صدام ونظام البعث، وكان لسان حالها 'سعيد الصحاف' الذي دخل التاريخ أيضًا، ولم يتصور سباستيان ولا أنا أن المقاومة الحقيقية ستنطلق بعد أيام، وأنها ستنهي تلك المغامرة وتُسقط كل الأكاذيب وتنتصر في النهاية فتنهي حكم بوش بفضائح كثيرة، وتنهي سيطرة الحزب الجمهوري على الكونجرس، وتأتي بشاب واعدٍ يمتلئ حماسًا ويعد بالتغيير ويبدأ بالفعل مشواره في الحكم بقرارات كان أهمها فيما يتعلق بالعراق:
- إعلان الانسحاب من العراق مع بقاء 50 ألف جندي، أي إعادة انتشار تقريبًا وليس انسحابًا شاملاً.
- إقرار المعاهدة الأمنية التي وقَّعتها إدارة بوش في نهاية عهدها مع العراق لتسليم العراق سياسيًّا وأمنيًّا للعراقيين.
- إغلاق معتقل جوانتانامو سيء السمعة وإسقاط تهمة الأعداء عن المعتقلين.
وبدأت الهمسات تتردد في واشنطن حول محاكمة بوش وأركان إدارته بسبب الكوارث التي تسبب فيها، خاصةً حرب العراق وانتهاكات حقوق الإنسان وإهدار ثروة أمريكا التي كان من ورائها تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانتهت بكارثة مالية واقتصادية أصابت العالم كله: إنها لعنة بلاد الرافدين التي أصابت من قبل 'هولاكو' والتتار، وها هي اليوم تصيب التتار الجدد بنفس اللعنة التي أنهت هيمنة أمريكا على العالم، وبدأ 'أوباما' ولايته الأولى بالدعوة إلى مشاركة الآخرين وقيادتهم بدلاً من الانفراد بالقرار والقيادة وطلب التبعية الذيلية من الآخرين.
أمريكا تواجه اليوم ساعة الحساب، والمعوِّل الأكبر ليس على المحكمة الجنائية الدولية أو مجلس الأمن أو حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة، المعوِّل هو على الشعب الأمريكي الذي أفاق من المغامرة على كارثة أضاعت ثروات أمريكا وأضاعت معها وظائف لحوالي 2 مليون أمريكي وبيوت مئات الآلاف، وتهدد آلاف وملايين آخرين بفقدان وظائفهم وبيوتهم والسكن في كرافانات نراها الآن على شاشات التليفزيون.
إستراتيجية الحرب على الإرهاب التي تسببت في غزو العراق الذي كان من العجيب ليس من دول محور الشر (إيران- سوريا- كوريا الشمالية)، ولكن عصابة الشر واللوبي الصهيوني كانوا وراء غزو العراق لمصلحة العدو الصهيوني وليس لمصالح أمريكا التي كانت مصلحتها الرئيسية هي نفط العراق لكن ليس تدميره وتسليمه إلى النفوذ الإيراني.
بدأت إستراتيجية الحرب على الإرهاب بعد الحادث الرهيب في 11 سبتمبر 2001م، والذي راح ضحيته حوالي 4 آلاف أمريكي من المدنيين، وشنَّ بوش الحرب على العراق وسوَّق للأمريكيين أنه يحمى أمريكا من عدوانٍ جديدٍ يستهدف أمريكا يُعدُّ له العراق الذي زعم أنه يأوي إرهابيين، فإذا بالضحايا الجدد من العسكريين والمرتزقة يزيد عددهم أضعاف عدد ضحايا 11 سبتمبر والجرحى والمرضى النفسيين أضعاف أضعاف ذلك.
فشل ذريع كان نتيجة الحرب على العراق، كما أن هناك فشلاً ذريعًا آخر في الحرب على الإرهاب، استدعى تصريحات صريحة من وزير خارجية بريطانيا يقول فيها: يجب مراجعة إستراتيجية الحرب على الإرهاب، والآن يدخل رئيس وزراء بريطانيا نفسه على الخط ليعلن رسميًّا بعيد النظر في الحرب على الإرهاب، ويتخوف الآن حلف الأطلنطى من فشلٍ آخر في أفغانستان، وأن تتركه أمريكا وحيدًا، وتنسحب مجددًا من أفغانستان كما تنسحب الآن من العراق.
آثار الحرب الفاشلة في العراق انعكست على كل الأطراف: العراق نفسه يتعرض لمخاطرة شديدة تهدد وحدة أراضيه وتماسكه الاجتماعي وعروبته ويخضع الآن لنفوذ إيراني شديد لقد كان الفائز الأكبر من مغامرات بوش هو إيران.
والآثار على العرب وضعتهم في محورين متصارعين، بدأت مع الحرب العراقية على إيران ثم الكويت وتفاقمت مع الغزو الأمريكي للعراق، محور تساوق مع أمريكا وسارع في رضاها وساهم في حملاتها العسكرية وموّل غزواتها المباشرة وغير المباشرة، ومحور امتنع عن الانضمام للحملات الأمريكية أو شارك فيها ثم لم يتابع ذلك، ويتم تضليل الرأي العام بالمصطلحات: الاعتدال والممانعة، وليس هناك اعتدال ولا ممانعة، بل هي مصالح محدودة ضاعت معها المصالح العربية العليا، وأصبح فيها العدو الصهيوني هو المهيمن والمتحكم والمسيطر، ولولا صمود المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين بقيادة حزب الله وحماس والجهاد لكان العرب اليوم جميعًا أسرى في سجون الصهاينة أو تابعين أذلاء لأطماعهم.
بعد 6 سنوات من الحرب والمقاومة، من الشهداء والضحايا والقتلى، من ملايين المشردين وتدمير العراق يجب علينا أن نقف وقفةً للمراجعة، هذا هو أول المراجعة ولعلنا نعود بعد ذالك لتناول آثار الحرب على العراق على مختلف الأطراف.
مصر فقدت بتدمير العراق ملايين المصريين الذين كانوا يعيشون ويزرعون في أرض العراق ويرسلون مدخراتهم إلى بيوتهم وأهلهم وأقاربهم.
مصر خسرت بفقدان العراق نفوذًا إقليميًّا أصبح الآن محل طمع إيران وتركيا.
مصر أصبحت بعد تدمير العراق مستهدفةً لإنهاء قوتها تمامًا وإخضاعها بالكامل للنفوذ الأمريكى والصهيوني.
مصر فقدت فرص للعمل في العراق لملايين آخرين يبحثون عن لقمة عيشٍ شريفة، ويهاجر أولادها في قوارب الموت ليغرقوا على شواطئ المتوسط بعد أن سدَّت دول الخليج أبوابها في وجههم، وأصبحت ليبيا تطاردهم بالسجن ويتلطمون على كل الأبواب.