محاذير الحوار الوطني الفلسطيني!

نشر 02 مارس 2009 | 02:02

د. حسن أبو حشيش

تابعتُ بدقة مجريات المؤتمر الصحفي الذي نظمته الفصائل الفلسطينية يوم الخميس الماضي, والتي اجتمعت في القاهرة برعاية مصرية بغرض إنهاء الانقسام الفلسطيني، وكم هزني احد الصحفيين حين وجه سؤالا صريحا كان مفاده: هل كنا في حاجة معاناة هذه السنوات الطويلة ومنتهية بحرب عدوانية حتى تجلسون للحوار ؟!سؤال سألته على مدار ثلاثة مقالات سابقة، وهو يدور في خُلد كل الرأي العام، وهو لا يُشير إطلاقا لرفض الحوار، أو بُغض لإنهاء الانقسام، ولكن من باب زيادة الحرص والوعي ,وانطلاقا من حقنا على من كان سببا مباشرا وغير مباشر في إيجاد البيئة والمُصوغات التي أدت للانقسام. إن إجابة بعض قادة الفصائل كانت تبريرية بمعنى: أن نأتي متأخرين أفضل من ألا نأتي ,وهي دبلوماسية وسطحية، وإنني أفهم جيدا أن الرد العميق والدقيق والمُنصف والموضعي ليس مكانه هذا المؤتمر . وتأكيدا على حرص الجماهير على إنجاح المُصالحة والحوار فإنني أنقل بعض ما سمعتُ في الشارع الفلسطيني من تخوفات ومحاذير واستفسارات أهمها:

أولا: يتخوف الناس من شكل الرعاية العربية ,وضعف هدفها، ويتم استحضار التجارب السابقة وخاصة اتفاق صنعاء، واتفاق مكة، والتحرك السوداني والقطري والسنغالي، واتفاق القاهرة عام 2005 م ,وهناك خشية من التوظيف السياسي لما يجري في القاهرة في العلاقات العربية، وما شهدته من تجاذب وتفعيل للمحاور، والتمهيد للمصالحة العربية في قمة الدوحة نهاية الشهر الجاري... وبعدها يتم تجاهل ملف المصالحة الفلسطينية لسبب هنا أو ذريعة هناك.

ثانيا: كما يتخوف الناس من هشاشة الجدية لدى الفصائل رغم الإعلان عن الرغبة في النجاح، ويتم استحضار وثيقة الوفاق الوطني التي انبثقت عن وثيقة بعض الأسرى والتي دارت معركة سياسية وإعلامية ودستورية عليها ,وحين تم النجاح في التوافق على صيغة محددة تم تهميشها وعدم تطبيقها ,ويتساءل الناس عن مدى ارتباط هذا التحرك بمستقبل منصب الرئاسة، واعتباره غطاء شكليا له، وبمدى ارتباطه بمؤتمر الأعمار الذي بات فرصة لفرض الذات وإعادة الهيبة للبعض ؟!

ثالثا: كما يتخوف الناس من قدرة أطراف محددة على تطبيق ما تم الاتفاق عليه وخاصة في ملف التحريض الإعلامي في وقت يقف على رأس الإعلام في الضفة رجل كياسر عبد ربه وما يُعرف عنه من توتير وخشية من نجاح الحوار ,وفي الملف الأمني ووقف الاعتقال السياسي والإفراج عن المعتقلين، وخاصة أن الحملة الإعلامية لم تتوقف والحملة الأمنية لم تتوقف، وبعد أن تم الإفراج عن جزء قليل من المعتقلين في وقت تم الإعلام انه لا وجود لهم، ويتم استحضار ما تم من سلوك ميداني خلال وبعد اتفاق مكة، واستحضار كيف تم رفض ما تم الاتفاق عليه في صنعاء والجدل الذي حدث مباشرة في الإعلام ؟!

رابعا :كذلك يتساءل الناس عن طبيعة الفصائل التي مازالت تدعي تمثيل الشعب الفلسطيني، فغالبية من حضر لا رصيد لهم ولم يعرفهم الجمهور ,وما هم إلا أسماء فقط في الإعلام وفي جهة التحكم في القرار الرسمي دون أي رصيد أو وزن أو شعبية، فيقول الناس :هل هؤلاء يكونوا حريصين على مصالحنا وهم لم يعايشوا واقعنا، ولربما يكون مستقبلهم مهدد بعد نجاح الحوار لان عندها الخارطة ستعكس الواقع الحالي وسيكشف زيف ادعائهم للتمثيل ؟!

خامسا: كما يتخوف الناس من الآثار السلبية لعنصر الزمن، حيث المطلوب من اللجان الخمس أن تعمل وتنجز في عشرة أيام، وهذا قد يدلل على احتمالية الحل بأي ثمن يمس حقوق المواطنين، أو يُعرقل عمل اللجان بسبب الضغط الزمني، وتحديد الوقت بهذا الشكل يولد تخوف مشروع حول النجاح الشامل والتام والمنصف .

 هذه التخوفات وغيرها الكثير باتت حديث الناس، آثرنا أن ننقلها عبر الإعلام لأننا ككتاب وكإعلاميين هذه مهمتنا أن نكون وسطاء خير وايجابية بين الجمهور وقادته .

وحتى لا تُفهم مقالتي أنها ضد الحوار أو على غير محملها، أُعيد ما قد سجلته سابقا في أكثر من موضع أن إدارة البلاد والعباد تستوعب الجميع على أسس الديمقراطية، وان فتح لا يمكن أن تنجح لوحدها، وأن حماس لا يمكن أن تنجح لوحدها وكذلك بقية الفصائل، فكان لزوما الشراكة الحقيقة، الأمر الذي تم رفضه بأشكال كثيرة لتُؤسس للشقاق والخلاف والانقسام...وكما أكرر ما قلته في مقالاتي القريبة بان الحوار يتطلب البحث الحقيقي عن الأسباب التي أدت للظروف المُعاشة، حيث مساواة الفلسفة والفكر والمنهج مع أخطاء سلوكية فيه تضليل ,ومساواة السبب مع النتيجة فيه ظلم وتجني، واختزال المشكلة باحداث الرابع عشر من يونيو عام 2007 م وتوقيف عجلة التاريخ عندها، وتجاهل عمق ومنهجية الخلاف والممارسات الأمنية والسياسية والإدارية والإعلامية والاقتصادية ضد حماس بعد فوزرها في الانتخابات، والممارسات ضدها بعد الحسم...إن هذا الاختزال مُخل ومُضر ومُضلل وتزوير للتاريخ وإخفاء للحقائق وطمس للواقع المرير ,وقفز عن حقوق العباد,وهذا يُؤدي إلى نتائج خاطئة ومُشوهة. نتمنى النجاح الحقيقي والموضوعي للحوار.