على الرغم من السجالات الإعلامية التي اندلعت بين حركتي ' فتح ' وحماس عشية انعقاد لقاءات الحوار الوطني في القاهرة، إلا أن هناك أساسًا للتفاؤل أن ينجح الفرقاء هذه المرةَ فيما فشلوا فيه في المرات السابقة.
ومبعث هذا التفاؤل ليس مرده انقلابًا في مواقف الطرفين من القضايا الخلافية، بل الأمل أنّ كلًّا منهما بات يدرك أن بقاء الأوضاع يُؤْذِنُ فقط بمزيد من المسِّ بالقضية الوطنية.
لقد دللت حماس على استعدادها للحوار الوطني، عندما تراجعت عن الربط بين عَقْدِ هذا الحوار، وإغلاق ملف معتقليها السياسيين في سجون السلطة في الضفة الغربية، مع العلم بأنه سبق للحركة أن رفضت الدعوة المصرية للحوار قبل الحرب بسبب ملف المعتقلين السياسيين، وأيّدتها في ذلك عدد من الفصائل الفلسطينية.
مرونة حركة حماس تستحق التقدير، حيث إن قيادة الحركة استجابتْ للدعوة المصرية، رغم أن قواعد حركة حماس في الضفة الغربية مارستْ ضغوطاً كبيرة على قيادة الحركة لِحَثِّها على عدم الموافقة على استئناف الحوار قبل أن يتم إغلاق ملف الاعتقال السياسي، ووقف الإجراءات التعسفية، مع العلم بأن السلطة تَزُجُّ بـ 700 معتقل سياسي في سجونها.
لقد أبدت حماس مرونةً كبيرةً من أجل إنجاح الحوار، رغم أن موقفها السياسي تَعَزَّز إلى حد كبير بعد الحرب على قطاع غزة، وبات خصوم الحركة قبل حلفائها يدركون أنه لم يعد من الممكن تجاوز هذه الحركة بعد صمودها خلال الحرب الإسرائيلية العاتية على غزة.
ومما لا شك فيه أن هناك العديد من التطورات الهامة التي قلّصت إلى حدٍّ كبير هامِشَ المناورة أمام حركة ' فتح '، ويجب أن تدفعها إلى إبداء مرونةٍ مماثلةٍ تُنْهِي حالة الانقسام القائم في الساحة الفلسطينية.
ولعل أهم هذه التطورات، صعودُ اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو للحكم، والذي يعلن بشكل واضح وجَلِيٍّ أن أقصى ما يُمْكِن أن يعرضه على السلطة الفلسطينية، ممثلةً بالرئيس محمود عباس هو ' السلام الاقتصادي '؛ حيث يعرض نتنياهو على الفلسطينيين التنازل عن حقوقهم الوطنية مقابل العمل على تحسين ظروفهم المعيشية!!
ولقد بات أبو مازن يُدْرِكُ أن هامش المناورة أمامه آخِذٌ بالتقلص، لذا عليه أن يُعَزِّزَ مواقفه قبالة الحكم الجديد في إسرائيل، من خلال العمل على إنهاء الانقسام الداخلي، والاتفاق على برنامج سياسي مختلف.
ولا يتطلب الواقع الجديد مجردَ الشَّجْبِ والاستنكار، بقدر ما يتطلب الإسراع في توحيد الصف الفلسطيني من خلال حوار وطني شامل، ينتج عنه تشكيل حكومة وحدة وطنية، تستطيع مواجهة التحديات الخطيرة المتوقعة.
ومن أهم الخطوات التي يتوجب على أبو مازن القيام بها حالياً: إغلاق ملف الاعتقال السياسي والملاحقة على خلفية الانتماءات التنظيمية.
إن عمليات الاعتقال جاءتْ ضمن الخطة الأمنية التي تُنَفِّذُها الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة سلام فياض، والتي يُشْرِفُ عليها المنسق الأمني الأمريكي كيث دايتون. وإن كان اعتقال الفلسطينيين ومعاقبتهم بسبب مواقفهم السياسية غيرَ مُبَرَّرٍ بِمَعْزِلٍ عن الحوار الوطني، وشروط إنجاحه، فإنه سيدمر مصداقيةَ أبو مازن وفريقه، في حال تواصلت هذه الاعتقالات في ظل وجود حكومة نتنياهو، التي ترفض تنفيذ استحقاقات إسرائيل في خطة خارطة الطريق .
إن الفلسطينيين بمختلف مشاربهم الفكرية والسياسية، باتوا يدركون أنه لا يُوجَدُ ما يمكن الرهان عليه لدى الإسرائيليين، بعدما منح الإسرائيليون أغلبية أصواتهم لليمين، واليمين المتطرف، الذي يتَنَكَّرُ لأبسط الحقوق الوطنية.
وتشكيل حكومة يمينية بزعامة نتنياهو يُدَلِّلُ على سقوط كُلِّ الرهانات على إمكانية التوصل لتسوية سياسيةٍ للصراع مع إسرائيل.
إن على أبو مازن ومساعديه أن يتجنَّدُوا منذ الآن، من أجل تهيئة الظروف الدولية لعمل حكومة الوحدة الوطنية، التي من الْمُتَوَقَّع أن تُشَكَّل بعد الانتهاء من الحوار الوطني، سِيَّما العمل على ضمان حصولها على اعتراف دولي.
إن على أبو مازن أنْ يُعْلِنَ بشكلٍ لا يقبل التأويل أنّ على العالم التَّوَقُّفَ عن سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع الفلسطينيين والإسرائيليين، فعندما شُكِّلَتْ حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية عام 2006 برئاسة إسماعيل هنية، أصرَّت اللجنة الرباعية أن تعترف هذه الحكومة بالاتفاقات الْمُوَقَّعَةِ مع إسرائيل، ومبدأ الدولتين ونبذ العنف، كشروطٍ للتعامل معها. يجب أن يطالب أبو مازن، ومعه قادة أنظمة الحكم فيما يعرف بـ ' معسكر الاعتدال ' العربي، دولَ العالم، وتحديدًا اللجنة الرباعية، باتخاذ موقفٍ واضحٍ من حكومة نتنياهو الجديدة، التي ستكون عبارةً عن نادٍ من الفاشيين والنازيين الجدد.
على أبو مازن أن يعرف، منذ الآن، ماذا ستكون عليه طبيعة ردّة فعل اللجنة الرباعية، في حال رفضَتِ الحكومة الإسرائيلية المقبلةُ مبدأ الدولتين والاتفاقات الموقعة، والإصرار على الاستمرار في العدوان والحصار والنشاطات الاستيطانية، كما يعلن عن ذلك نتنياهو، فهل ستكون مثل هذه الحكومة شريكةً للجنة الرباعية؟ أم أنها ستُعْلِنُ أنها ليست شريكًا؟!
من الأهمية بمكان أن يدرك أبو مازن ما أدركه الكثيرون من الساسة الأوروبيين، بأنه يتوجب الاعتراف بحركة حماس كشريك رئيسي في صنع القرار الوطني الفلسطيني، ليس بفضل صمودها في القطاع، بل وبشكل أساسي بفعل حقيقة تمثيلها أغلبيةَ الفلسطينيين، كما دلت على ذلك نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والعديد من استطلاعات الرأي العام التي أُجْرِيَتْ في الضفة الغربية وقطاع غزة.