لو كانت المفاوضات بين الدولة العبرية وقوى المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس، تجري في ظل دعم عربي لكان بوسعها ترجمة الصمود والانتصار الذي تحقق بطريقة مختلفة، لكن الموقف ليس كذلك، فهي جرت وتجري في ظل ضغوط تنوء عن حملها الجبال، بل وفي ظل تهديدات يعرف المعنيون أن بالإمكان ترجمتها لاحقاً، لا أعني إغلاق المعبر فقط، بل ما هو أكثر من ذلك.
لو كشفت تفاصيل تلك الضغوط والتهديدات لذهل المواطن العربي، بمن في ذلك المواطن المصري مما يجري، ولأدرك أي إسناد يحصل عليه الفلسطينيون من مرجعيتهم العربية، ذلك الذي طالما تغنى به الكثيرون وعيّروا به شعب فلسطين، في تجاهل لحقيقة أنه شعب عظيم يدافع عن أمته، ومصر على رأسها، أكثر مما يدافع عن نفسه، هو الذي كان بوسعه أن يتفاهم مع الإسرائيليين بأي طريقة لتحصيل العيش الرغيد.
إن مجرد صمود حماس في مواجهة هذه الضغوط، إنما يؤكد أنها لا تبيع قضايا شعبها تحت طائلة التهديد، لا سيما التهديد لقادتها الذين ما اختاروا هذا النهج إلا وهم يدركون حقيقة أنهم على درب الموت والشهادة، ومثل هؤلاء وحدهم هم من يؤتمنون على القضايا المقدسة، أما الذين يبيعون ويشترون من أجل ترتيب الصفقات لأبنائهم، وربما لأنفسهم فهم برسم التنازل طوال الوقت.
في أي حال، فما جرى حتى الآن كان صموداً في ميدان البطولة، تماماً كما كان صموداً في ميدان السياسة. صحيح أن الاتفاق المتوقع، في حال تم بالفعل، لن يلبي شروط المقاومة كاملة، إلا أنه جيد في ظل موازين القوى القائمة، ويكفي أن راية المقاومة التي كانت المعركة أهم عناوينها ستبقى مرفوعة، وفشل العدوان في فرض وقفها بشكل دائم.
تبقى الجوانب الأخرى المتعلقة بالحصار وفتح المعابر، وهذه قضايا يصعب ضمانها، ليس فقط لأن لمصر دوراً محورياً فيها فحسب، بل أيضاً لأن أي اتفاق سيبقى في نهاية المطاف رهن المزاج الإسرائيلي. ونتذكر أن الموقف كان كذلك حتى أيام السلطة قبل الحسم العسكري، بل كان كذلك أيام السلطة قبل الانتخابات التشريعية، وفي ظل قيادة تعلن في وضح النهار رفض مبدأ المقاومة المسلحة.
في موضوع الجندي الصهيوني، كان موقف حماس واضحاً، فهذه قضية مختلفة تدار بناء على صفقة لتبادل للأسرى، وشاليط لن يخرج من دون صفقة معقولة، مع العلم أن أي صيغة يخرج بها أسرى ممن يصنفون بأنهم 'دم على الأيدي' ستكون بالغة الأهمية والدلالة على كسر إرادة العدو، حتى لو وقع إخراج بعضهم إلى قطاع غزة أو حتى خارج فلسطين، ولا قيمة لأية مزايدة هنا لأن النضال من أجل قضية الأمة ليس له حدود، وبوسع هؤلاء أن يكونوا في مقدمة الجهاد من أجل وطنهم ودينهم.
تبقى مسألة ربط المفاوضات برمتها بملف المصالحة، وهذه تستحق الكثير من التوقف، لأن لها مقدمات لا بد منها، لا أعني المطالبة بإغلاق سجل الاعتقال السياسي لمناضلي حماس في الضفة فقط، وإنما إغلاق ملف دايتون برمته، ومن قرأ مقال توماس فريدمان في نيويورك تايمز عن رحلته إلى جنين برفقة الجنرال دايتون وما سمعه وما رآه سيشعر بالعار من دون شك.
كيف يمكن لقوى المقاومة أن تقدم كل هذه التضيحات على مذبح الحفاظ على برنامج المقاومة، ثم تطارد مصالحة على إيقاع برنامج يذبحها من الوريد إلى الوريد، فيما يعلن أن مساره الواحد والوحيد هو المفاوضات بصرف النظر عن نتيجتها.
لقد آن لمن يتحدثون عن المصالحة أن يحرروا هذا المصطلح كما قلنا من قبل، لأن المصالحة التي تشطب المقاومة وتضع القضية رهن رحلة عبث جديدة ليست أمراً يحتفى به، ناهيك عن أن تكون ذات عنوان باطني هو إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانتخابات بأية وسيلة، وهو مطلب ينطوي على تجاهل لكل دعوات إعادة تشكيل منظمة التحرير لكي تكون بالفعل ممثلاً حقيقياً للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.