'صحيح لا تقسم ومقسوم لا تأكل وكل حتى تشبع'!
الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية حديث طويل, يتسم بالتعقيد والتشابك والامتداد, هذا جسم وكيان أسسته الدول العربية رسمياً في منتصف عقد الستينات من القرن العشرين, وما أن مضت خمس سنوات تقريباً حتى انضمت فصائل وطنية كبرى لها من أبرزها حركة فتح والجبهات, وبعد عشر سنوات تم اعتمادها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني, وعلى مدار هذه السنوات الطويلة مارست المنظمة دوراً كبيراً وكثيراً على صعيد القضية العسكرية, والسياسية, والاقتصادية... الفلسطينية, منها إخفاقات, ومنها نجاحا... وبقيت هكذا إلى أن عادت الخارطة السياسية للتغير, وتبادل المواقع, ولم تعد المنظمة صالحة لتكون ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني بتركيبتها الفصائلية الحالية, وببرنامجها الحالي, وبنشاطها الحالي, وبحيويتها الحالية, وبكل أوضاعها الشاملة. وباتت مسألة إصلاح المنظمة مطلباً وطنياً وشعبياً عاماً وملحاً, لا جلسات للحوار منذ سنوات طويلة وإلا يتم طرح الأمر على الطاولة, ولا مبادرة ولا وثيقة للتفاهم تخلو من هذا الطلب, ونظرياً يوجد حالة من الإجماع بين كل أوساط الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على عجز وترهل وفشل المنظمة, وأهمية ترتيبها وإعادة تفعيلها على قاعدة تمثيل الواقع, الذي اتسعت بينه وبينها الهوة بشكل كبير جد... لكن لم يتحرك أحداً للترجمة العملية, والسلوك الميداني, ومازلنا نسمع جعجعة ومزايدة فقط, ومازلنا نسمع طحناً ولا نرى طحيناً.
هذا الواقع أفرز واقعاً مزيفاً, ورسخ مواقف غير صادقة, وسُرق تمثيل الشعب الفلسطيني من قبل أشخاص وتيارات لا علاقة لهم بالشعب وتطلعاته وميوله ومشاعره وأحاسيسه, بل رأيناهم يقفون ضد الشعب بجانب الاحتلال ومواقف المنظمة المتردية والمخزية في الحرب على غزة وحصار القطاع واضح جداً. ولم يقف الأمر عند هذا السلب والتزوير والاحتكار, بل تعدى إلى منع أي أحد أن يتكلم أو يتنفس أو يحلم أو يفكر أو يعلو بصوته في قضية المنظمة... وإلا فهو خائن ضد الشعب, يخدم الاحتلال, وينسف تاريخ المنظمة, ويكفر بالثوابت !!! ومهم جداً حشد كل الطاقات والمسيرات ضده, حيث حركوا كل موظفي الوظيفة الحكومية وأخرجوا الناس في الشوارع ضد تصريحات فصائل فلسطينية دعت لإصلاح المنظمة أو إيجاد مرجعية لهذه الفصائل بعيداً عن المنظمة...
رغم أن تدمير قطاع غزة ودماء سبعة آلاف شهيد وجريح لم تكن بمستوى كراسي أزلام ومناصب أصنام المنظمة , فأخرجت جماهير الضفة لصالحهم ولم يُسمح لهم بالخروج الحقيقي والفعلي نصرة لغزة ولدمائها. عجباً ما يفعلون, غريبا ما يفكرون, مقامرة ما يفعلون, خيالي ما يخططون, سبحاً ضد التيار ما يرسمون... لا يريدون إصلاحاً, ولا يريدون تغيراً, ولا يرغبون بالمشاركة الحقيقية, ففعلوا كل شيء قبيح لعدم فعل الإصلاح: سلباً للإرادة, تكريسا للفساد, رفضاً لنتائج الانتخابات, عدم تسليم حقيقي لمقاليد الأمور في الوزارات, إنشاء هيئات كبديل للوزارات, وقطع رواتب, وفصل موظفين, وفلتان أمني, وقتل وسرقة وعربدة وابتزاز وخطف, وتحريض ومساهمة في الحصار والحرب, وتحريض على مواقف إقليمية ودولية... كل ذلك ضد الشعب وفصائله الحية بما فيها فصائل المنظمة التي أبدى تيارات منها مواقف متقدمة ووطنية... إذن من يمثلون, وباسم من يتكلمون؟
وقفتُ مليا أمام هذا السجال , وهذه الصورة القاتمة , وهذا الهلع الذي أثار حفيظة المتنفذين في المنظمة , فلم أجد أبلغ من المثل الشعبي المُوضح في عنوان المقال كي ينطبق عليهم: فهم لا يريدون لنا الأكل من المقسوم (الإصلاح ) ولا تقسيم الصحيح (البديل) وكل حتى تسبع (عيش وتحرك كما تريد ) , أليس هذا استخفاف واحتكار وعربدة وتبخيس ولصوصية وقرصنة ؟!
حالهم هذا يُشير إلى خوفهم على مناصبهم ونفوذهم , وبيضة الديك التي تفرز لهم ذهبا , هم كمن يتعامل مع رئيس وقائد ميت لا يريدون إعلان موته خوفا على كنز لهم من ورائه سيزول بإعلان الوفاة.ألا يُدركون أن دوام الحال من المُحال , وأن عجلة التاريخ لن تتوقف لسواد عيونهم ,إننا على يقين أنهم زائلون في الحالتين : فالإصلاح سيلفظهم ويغيبهم عن صدور الناس بعد جثوم سنوات طويلة , وعدم الإصلاح سيدفع الشعب لتهميشهم ولفظهم واعتبارهم غير موجودين, وإن (أقرفونا) في فضائيات خاصة لهم وإدعائهم زورا وبهتانا بالتمثيل للشعب.بقي أن يتحرك أحرار الشعب الفلسطيني من داخل المنظمة ليتعاونوا معا لأحرار من خارجها لخلق حالة سياسية ومنظومة واقعية لتمثيل الشعب الفلسطيني, وكفى صمتا ورضا بسرقة القرار الوطني للمنظمة ومكوناتها .
د. حسن أبو حشيش