ماذا يطبخون في أبو ظبي؟

نشر 04 فبراير 2009 | 01:53

أن يتداعى وزراء خارجية تسع حكومات عربية إلى اجتماع مفاجئ، ومغلق، في مدينة أبو ظبي بالتوازي مع اجتماع آخر لوزراء الإعلام، وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، فإن هذا أمر يثير العديد من علامات الاستفهام حول 'الطبخة' السياسية التي يعكف هؤلاء على إعدادها، على نار ملتهبة، وفي مثل هذا التوقيت بالذات.

الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية دولة الإمارات، والمتحدث الرسمي باسم المجتمعين، قال في تصريح مقتضب يلخص بعض الملامح الرئيسية لهذا الاجتماع، الذي استغرق أربع ساعات، بعيداً عن أعين الفضوليين من رجال الإعلام الموجودين في المكان 'أن الاجتماع المذكور يعمل من أجل دعم توافق عربي من شأنه أن يوقف التدخلات غير المرحب بها، وغير البناءة، في شؤوننا من قبل أطراف غير عربية'.

من المؤكد أن الشيخ عبد الله يقصد إيران في إشارته هذه، فقد كان اختيار بلاده كمكان لعقد هذا الاجتماع محسوباً بدقة، سواء بسبب احتلال إيران لجزر إماراتية، أو للدور الإماراتي المتنامي كقاعدة لأي تحرك عربي وأجنبي ضد إيران في المستقبل، تماما مثلما كانت الكويت رأس حربة في تحرك مماثل ضد عراق صدام حسين، مثلما يرى البعض.

فالعدوان الإسرائيلي الوحشي الأخير على قطاع غزة، والذي أدى إلى استشهاد 1350 شخصا معظمهم من الأطفال والنساء، وإصابة ستة آلاف، وتشريد ستين ألفا على الأقل جرى تدمير منازلهم، لم يستدع عقد اجتماع بالسرعة نفسها لوزراء الخارجية ووزراء الإعلام في الوقت نفسه، لوضع إستراتيجية للتصدي له سياسياً أو إعلامياً، ناهيك عن الجانب العسكري. وحتى الاجتماع الذي عقده وزراء الخارجية على استحياء شديد، عكس تواطؤاً واضحاً للبعض مع العدوان، واكتفى بتصدير الأزمة إلى الأمم المتحدة، من قبيل رفع العتب، وإعطاء إسرائيل مزيداً من الوقت لتحقيق أهدافها.
وما يثير دهشتنا من هذا الاجتماع، واستغرابنا تجاه نوايا أصحابه، أن وزراء خارجية ما يسمى بدول الممانعة، مثل سورية والسودان وليبيا والجزائر وقطر، جرى استبعادهم كليا منه، ولم توجه لهم الدعوة أساساً، وما قيل أن دعوات مستقبلية ستوجه إلى وزراء عرب آخرين للمشاركة فيه هو مجرد ذر للرماد في العيون فقط.

وكان لافتاً أن دولاً مثل سلطنة عمان والكويت ولبنان والعراق فضلت البقاء بعيداً، إما لإدراكها بخطورة نوايا المجتمعين، وريبتها تجاهها، أو لأنها فضلت التريث لمعرفة النتائج وردود الفعل، أو الوقوف على الحياد. مع التذكير بأن سلطنة عمان على سبيل المثال، كانت الوحيدة إلى جانب الصومال التي لم تقاطع مصر بعد توقيعها اتفاقات كامب ديفيد من بين العرب الآخرين.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو عن أسباب 'العجلة' في عقد هذا الاجتماع الذي جاء بعد لقاء ثلاثي تم برئاسة الزعيم المصري حسني مبارك وحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس والأمير سعود الفيصل وزير الخارجية ممثلاً عن العاهل السعودي، خاصة أن الأخير طار بمعية نظيره المصري أحمد أبو الغيط في طائرة واحدة إلى أبو ظبي ليبدأ التحرك الجديد ودعوة نظرائهم من وزراء خارجية دول الاعتدال للقدوم إلى العاصمة الإماراتية في غضون ساعات.
لا نعتقد أن الهدف هو بحث أفكار حملها المبعوث الأمريكي الجديد جورج ميتشل حول الملف الفلسطيني أثناء زيارته الأخيرة للمنطقة، فالرجل كان في مهمة تقصي حقائق لبلورة سياسة إدارته الجديدة تجاه المنطقة. وربما يكون هناك أمر آخر وهو عدم اهتمام الإدارة الجديدة بمحور الاعتدال، وتدليلهم مثلما كانت تفعل كوندوليزا رايس، وهذا يتضح من إرسال مبعوث بدرجة سفير لهم، أو ربما أدركوا أن الإدارة الجديدة خيبت آمالهم من حيث رغبتها في الدخول في حوار مع إيران يمثل في حد ذاته اعترافاً بدورها الإقليمي كقوة إقليمية نووية عظمى، ولهذا تداعوا لبحث الموقف، وقرع طبول الحرب مجددا، والبحث في كيفية 'إيجاد' حليف جديد يتصدى للقوة الإيرانية المتنامية وإعلان الحرب عليها، تماما مثلما فعلوا للتخلص من نظام صدام حسين العراقي.

توجد مشكلة 'غياب قيادة' في معسكر 'المعتدلين' بعد اختفاء السيدة رايس التي كانت تتحدث باسم الرئيس مباشرة، مستندة إلى رؤية إستراتيجية وكفاءة أكاديمية. ويفسر هذا الغياب ما يعانيه المعسكر حالياً من ارتباك واضح في توجهاته ووسائله.

فما يمكن قراءته من بين سطور تصريحات الشيخ عبد الله بن زايد، وخاصة تلك التي قال فيها أن الاجتماع 'هو للتشاور من اجل دعم الوحدة العربية، وتنسيق المواقف بناء على النداء الذي أطلقه العاهل السعودي أثناء قمة الكويت والمتعلق بالمصالحة العربية والفلسطينية'.
إن هناك محاولة للعودة إلى الحشد القومي العربي في مواجهة ما يعتقده هؤلاء بتصاعد 'المد الفارسي' بعد أن فشلت أطروحات التعبئة والحشد السابقة على أساس التقسيمات الطائفية بين معسكر سني في مواجهة معسكر شيعي بزعامة إيران.

فلم نسمع كلمة 'الوحدة العربية' هذه تتردد على لسان أي مسئول عربي في محور الاعتدال منذ عقود، بل سمعنا تشكيكا بها كفكرة عابرة تعود إلى 'زمن الستينات' ولم تعد صالحة لهذا الزمان، وربما لا أبالغ إذا قلت إن مسئولاً عربياً كبيراً من هذا المحور قال لي أن علاقات دول الخليج مع الهند وباكستان بل وإيران نفسها أقوى وأفضل وأكثر فائدة من علاقتها مع دول مثل مصر وسورية والمغرب.

ثم كيف تتحقق المصالحة العربية ـ العربية في ظل غياب نصف العرب، أو نظيرتها الفلسطينية في ظل دعم وزراء الخارجية التسعة للسلطة الفلسطينية ورئيسها عباس، والانحياز بالكامل إلى جانب طرف في المعادلة الفلسطينية ضد آخر تصدى للعدوان الإسرائيلي وأحبط أهدافه، وصمد لأكثر من ثلاثة أسابيع؟ فالمجتمعون في أبو ظبي لم يقولوا كلمة خير واحدة لصالح المقاومة، ونحمد الله أنهم لم يدينوها ويحملوها مسؤولية العدوان الإسرائيلي، مثلما قال الرئيس حسني مبارك، وكرر خلفه الرئيس عباس الكلام نفسه قبل يومين بعد مشاركته في لقاء القاهرة الثلاثي.

نضع أيدينا على قلوبنا مما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من مفاجآت غير سارة، مثل تصاعد حالة الاستقطاب العربي الراهنة وتحولها إلى 'صدام المحاور' تبدأ بحروب إعلامية نرى إرهاصاتها حالياً في حملات مكثفة ضد المقاومة من قبل الآلة الإعلامية الجبارة لمحور 'دول الاعتدال' صاحب الإمكانات الهائلة في هذا الصدد. حيث بدأت تسميات جديدة تظهر على السطح، مثل تقسيم العرب إلى معسكرين، معسكر 'عرب فارس' ومعسكر 'عرب أمريكا' وكأننا نعود إلى زمن الغساسنة والمناذرة قبل ظهور رسالة التوحيد، مع فارق واحد وهو استبدال بيزنطة القديمة بالغرب الحديث، وربما إسرائيل.
الشعوب العربية الأصيلة التي وقفت ضد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مثلما وقفت ضد الذي قبله على لبنان، وأيدت المقاومة في البلدين التي تصدت له بشجاعة، لا يمكن أن تكون فارسية، لأنها تستجيب لضميرها الوطني والأخلاقي، وتساند من يتصدى للمشروع الإسرائيلي بغض النظر عن طائفته وعرقه، فهي لم تؤيد السيد حسن نصر الله لأنه شيعي، ولا رجب طيب أردوغان لأنه سني.
من يريد أن يتصدى للمشروع الإيراني عليه أن يستخدم أدواته، ويتبنى قضاياه، ويبني قوة عسكرية وسياسية واقتصادية عربية تقوم على أسس العدالة والمساواة والديمقراطية، فالوحدة العربية لا يمكن أن تقوم إلا على هذه الأسس، وعلى تبني مشروع عربي نهضوي شامل، وهذا ما لا نراه حالياً للأسف
 الشديد.

لا يخامرنا أي شك في قدرات وزراء إعلام محور الاعتدال في الهيمنة، وتزوير الحقائق، فهؤلاء يملكون ماكينة إعلامية جبارة تستند إلى إمكانيات هائلة، وتحظى بدعم غربي، ولكن ليس أمامنا من خيار غير السير في الدرب نفسه، درب الانحياز إلى هذه الأمة وعقيدتها وثوابتها الراسخة، مهما كلفنا الأمر من تبعات، خاصة أن الحملات في هذا الصدد ازدادت شراسة منذ فشل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في كسر صمود المرابطين من أهله، وفرض الاستسلام عليهم