منذ بدأ حصار غزة قبل ثمانية عشر شهراً وأنا أبحث كل صباح عن صدي هذه الجريمة لدي العقيد معمر القذافي، كان بمقدوري أن أعرف ردود أفعال أغلب الزعماء العرب، لكن موقف القذافي ظل محاطاً بعلامات استفهام لم أجد لها جواباً، لأنه أقنعنا من خلال ممارسات كثيرة أنه من طراز القادة الذين يصعب التنبؤ بتصرفاتهم، ورغم أي تحفظات يمكن أن يسجلها المرء علي مواقفه، إلا أن كثيرين لا يختلفون على أن الرجل في سياسته الخارجية يعبر أحياناً عن شعور بالغيرة والنخوة لا يمكن إنكاره، صحيح أنه يخرج علينا بين الحين والآخر بمفاجآت بعضها يحيرنا وبعضها يصدمنا، إلا أنه يظل منطلقاً من ذلك الشعور، الذي يتجلى بطرائف متعددة، تختلف تبعاً لحالته المزاجية، وهو ليس وحيداً في ذلك، لأن عالمنا العربي الذي يغيب فيه حكم المؤسسات يتأثر كثيراً بأمزجة حكامه، وقد سمعت من أحد الذين اقتربوا حيناً من الدهر من الرئيس أنور السادات أنه كان يتعرف على حالته المزاجية من خلال أول اتصال هاتفي يجري معه في الصباح، فإذا قال صباح الخير أو صباح الفل، فذلك يعني أن مزاجه رائق، وأن اليوم سيكون هادئاً وصافياً، أما إذا رد على الهاتف قائلاً صباح «الزفت» فمعنى ذلك أنه سيكون يوماً أغبر، لن يمر بخير أو سلام.
الذين يعرفون العقيد القذافي يقولون إنه أصيب بصدمة أفقدته توازنه في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، وأنه وقت ذاك اعتبر أن الدور سيحل عليه بعد الرئيس صدام حسين، وهذا الشعور هو الذي دفعه إلى الإقدام على التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الليبية، وبدا فيها أن العقيد انتقل من النقيض إلى النقيض، مما أعطى انطباعاً بأنه أصبح نسخة أخرى من الحكام الذين ظل ينتقدهم.
من بين تلك التحولات أننا افتقدنا صوت العقيد في مختلف التطورات المثيرة التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال السنتين الأخيرتين، إذ باستثناء معارضته وممانعته في الانضمام إلى مشروع الاتحاد المتوسطي الذي رعته فرنسا واشتركت فيه 'إسرائيل'، وهو ما اعتبره ـ محقاً ـ باباً خلفياً للتطبيع، فإنه ظل معتصماً بالصمت طول الوقت إزاء بقية التحولات الأخرى، وربما تكلم، لكن صوته لم يصل إلينا، الأمر الذي دعا أمثالي إلى التساؤل: أين ليبيا وأين العقيد مما يجري؟
أخيراً بعث إلينا برسالة تقول إنه لا يزال على الخط، وهذه الرسالة جاءتنا على ظهر باخرة ليبية حملت ثلاثة آلاف طن من المعونات الغذائية والدوائية إلى المحاصرين في غزة، وهي الباخرة التي منعتها الزوارق الحربية الإسرائيلية من الوصول إلى ميناء القطاع، وذكرت الأنباء أنها ستفرغ شحنتها في العريش، أملاً في إيصالها إلي غزة عبر معبر كرم أبو سالم الذي تتحكم فيه 'إسرائيل'.
في الشهر الثامن عشر من عمر الحصار الخانق، جاءت الرسالة الليبية، متأخرة حقاً، ومعبرة أيضاً عن الحذر الليبي في التعامل مع السياسات الأمريكية والغربية المؤيدة للحصار، لكنها مع ذلك، تظل حالة أفضل من الذين سكتوا تماماً عن الحصار، أو الذين شاركوا فيه، وللأسف فإن مصر من الدول التي شاركت في الحصار، ومنعت أكثر من مرة قوافل الإغاثة التي نظمتها النقابات المهنية مع بعض الناشطين.
في الأخبار، أيضاً أن ثمة سفينة قطرية وأخري يمنية، انطلقت كل منهما محملة ببعض المعونات الإغاثية للمحاصرين في غزة، ورغم تقدير هذه الجهود التي لم تنجح حتى الآن في كسر الحصار الذي أفلحت فيه سفينتان جاءتا من أوروبا، إلا أنها تبدو وكأنها محاولات خجولة لرفع العتب، وهو أمر مفهوم، في ظل عدم توافر موقف عربي واضح في هذا الصدد، وإذا كان لنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بأنه إذا كانت مصر شريكة في الحصار، وإذا كانت الجامعة العربية مترددة إزاءه وعاجزة عن تنفيذ قرارها السابق الداعي إلي كسره، فإن المحاولات الليبية والقطرية واليمنية تظل موقفاً متقدماً يستحق الحفاوة، ويخفف من وطأة الخذلان، لكنه لا يلغيه.