المشهد الفلسطيني بات هاذيًا في سرياليته، ولعل ما يُؤَكِّدُ ذلك أكثر من أي شيء آخر هو قرار المجلس المركزي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية هذا الأسبوع بالإعلان عن محمود عباس كرئيس لدولة فلسطين!!
وقبل الخوض في الْمُسَوِّغات التي دفعت أعضاء المجلس لاتخاذ هذا القرار، ومحاولة حَصْرِ التداعيات الناجمة عنه، فإن المرء لا يمكنه إلا أن يتساءل عن أي ' رئيس '، وعن أي دولة يتحدث المجلس المركزي؟!!
عن ' الرئيس '، الذي يقوم جنود الاحتلال بمداهمة الحي الذي يتواجد فيه مَقَرُّ إقامته، فيعتقلون ما يشاءون، ويقتلون ما يشاءون، دون أن يلقوا بالًا لـ ' الرئيس '، الذي يكون بإمكانه سماع أزيز الرصاص الذي يُطْلَقُ على صدور أبناء شعبه، وبعد ذلك يتصرف وكأنه لا يسمع شيئًا!!
أيُّ ' رئيس ' هذا الذي بمجرد أن يغادر مدينة رام الله يقوم جنود الاحتلال باعتراض موكبه، والتدقيق في أوراقه الثبوتية، ثم يُوَاصِلُ دَرْبَهُ، بينما بإمكانه أن يشاهد من خلال نافذة سيارته الفارهة ما يتَعَرَّضُ له مواطنوه من عَسْفٍ وظلم على أيدي جنود الاحتلال، وكأن هؤلاء الناس ينتمون إلى شعب ووطن آخر!!
وعن أيِّ ' دولة ' يتحدث المجلس المركزي؟!
هل تضم هذه الدولة قطاع غزة؟ مع العلم بأن ' الرئيس ' لم يتوانَ في التواطؤ لفرض الحصار عليه، وتسويغ خنقه، والتحريض عليه صباحَ مساء!!
وهل تُمَثِّلُ حكومة ' الرئيس ' في رام الله حتى مدن الضفة الغربية ذاتها؟! فهذه المدن تُسْتَبَاح من قِبَلِ جنود الاحتلال والمستوطنين، وبعد ذلك يتنافس ضباط وقادة في الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة 'الرئيس' إجراء المقابلات مع قنوات التلفزة الإسرائيلية؛ ليؤكدوا أن ما يقوم به المستوطنون ضد أبناء شعبهم لا يعنيهم بالمطلق، وهدفهم الوحيد هو محاربة حركة حماس، كما تبين ذلك من خلال المقابلات التي أجرتها قنوات التلفزة الإسرائيلية مؤخرًا مع عدد منهم!
هل يُمَثِّلُ ' الرئيس ' ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، مع أنه لا يُخْفِي تنازله عن حقهم في العودة للأراضي التي شردوا منها؟!
وبالطبع هناك الكثير من الأسئلة التي لا تحتاج إلى أجوبة، لكنها تُوَضِّحُ إلى أي حَدٍّ أصبحت الأوضاع الفلسطينية مُثِيرَةً للسخرية في أفضل الأحوال!
لكن- ومع ذلك- فإن كُلَّ ما تقدم لا يخفي خطورة ما أقدم عليه عباس والمجلس المركزي، ونحن هنا بصدد الإشارة إلى بعض النقاط الهامة في هذا الجانب:
1- جميع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وضمنها المجلس المركزي، فاقدةٌ للشرعية؛ لأَنَّ أحدًا لم ينتخب أعضاءها وإداراتها، ولم يفوضهم الحديثَ باسم الشعب الفلسطيني، فضلًا عن أن هذه المؤسسات مُغَيَّبَةٌ تمامًا عن التأثير والفعل في كُلِّ ما يتعلق بعملية صُنْعِ القرار الفلسطيني، ويتم استدعاؤُهَا فقط، إما لإضفاء شرعيةٍ على التفريط بحقٍّ من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، كما حدث في العام 1998 عندما أجاز المجلس الوطني الفلسطيني إلغاءَ الميثاق الوطني الفلسطيني من أجل إرضاء الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت بل كلينتون، أو للاستقواء بها في مواجهة حركة حماس، كما حدث مع المجلس المركزي؛ حيث إن جميع أعضاء المجلس المركزي هم من فصائل منظمة التحرير، وهي فصائل وهمية، لا تَحْظَى بأي تمثيل شعبي، وبوصلة عناصرها تحددها الامتيازات الشخصية التي يحظون بها!
2- قرار المجلس المركزي مثار الجدل هذا، يأتي استباقًا لنتائج أيِّ حوار وطني مستقبلي، فمن المعروف أنَّ أحد القضايا الهامة على جدول أعمال الحوار الوطني هي قضيةُ التمديد لعباس، الذي ستنتهي ولايته في التاسع من كانون ثاني القادم، ويأتي قرار المجلس المركزي وكأَنَّهُ تمديدٌ فِعْلِيٌّ لعباس، مع أنّ صاحب الصلاحية المطلقة في التمديد لعباس أو عدمه هو المجلس التشريعي المنتخب الذي تسيطر حماس على أغلبية مقاعده!!
في نفس الوقت فإن البعث بالمجلس المركزي وبقية مؤسسات منظمة التحرير من جديد يأتي لاستباق نتائج الحوار في التعامل مع مستقبل مؤسسات المنظمة، حيث إن أحد النقاط الهامة على جدول الحوار الوطني هي إعادة تفعيل وبلورة مؤسسات المنظمة على أسس تعكس التمثيل الحقيقي للقوى الفلسطينية.
واضح تمامًا أن انعقاد المجلس المركزي هدف إلى وضع العِصِيِّ في دواليب الحوار الوطني مستقبلًا، بحيث إنه أوجد إشكالات جديدة.
3- ولتأكيد الدور المخصص لهم، فإن أعضاء ' المركزي ' لم يتطرقوا بالمطلق لتقييم السنوات الأربع التي قضاها عباس في الحكم، ولم يجرءوا على مناقشة النتائج العملية لبرنامجه السياسي. فعباس أعلن تَمَسُّكَه بالمفاوضات كخيار وحيد لحل القضية الفلسطينية، ونَبَذَ المقاومة، واعتبرها عبثيةً تارةً، وحقيرةً تارةً أخرى، لكنّ المؤسف أنه في خلال أربع سنوات من حكمه، لم يتعاظم إلا الاستيطان في الضفة الغربية وتهويد القدس، في ظل تَعَاظُمِ مظاهر العدوان والعربدة الإسرائيلية. لم تتحقق رؤيا بوش، وذابت وعود مؤتمر ' أنابوليس '، فها نحن على مشارف انتهاء العام 2008، ولم تقم الدولة الفلسطينية!!
لماذا لم يسأل أحدٌ من أعضاء المجلس عباسًا قائلًا: إذا كانت المقاومة عبثية، فكيف يمكن للمفاوضات الحفاظُ على ما تبقى من أرض، حتى لا تصادر أو تُهَوَّد؟!
واضح تمامًا أن أحد ضحايا قرار المجلس المركزي سيكون الحوار الوطني الفلسطيني نفسه، فعباس بهذا القرار يَشْعُرُ أنه لم يعد بحاجة إلى شَرْعِيَّة المجلس التشريعي، وبالتالي فإن هذا سيدفعه لمواصلة التَّشَبُّث بمواقفه المتشدد في الحوار!