المصالح فوق الإنسانية يا غزة

نشر 27 نوفمبر 2008 | 08:08

(لو) كان الذي يحتل الآخرين إنسانيا لما احتل، وهو يحتل لأنه يرى أن مصالحه تقتضي ذلك. احتلت إسرائيل الأرض عام 1967 ليس من أجل الرحمة بالفلسطينيين، ولا من أجل إعادة اللاجئين إلى الأرض المحتلة/48، إنما من أجل إركاع العرب والفلسطينيين، ليس على مستوى الحكام الراكعين، وإنما على مستوى الشعوب. احتلت لكي تلغي الوعي العربي والفلسطيني، ولكي تصبح هي صاحبة القرار في المنطقة العربية الإسلامية وبمصادقة الشعوب التي من المفروض أنه قد تم تثقيفها بصورة جديدة تستهتر بالتاريخ العربي والمقدسات وبقيم العزة والكرامة، وتبجل مفاهيم التطبيع وفهم الآخر والاعتراف بمصالحه وبحقه في الأرض المقدسة.

 

لكن هذا لا يعني أن الذي يقع تحت الاحتلال أو بصبر عليه بريء. الضعف يولد طمع الطامعين، ومن يضعف كأنه يدعو الآخرين لامتطائه؛ وفي هذا ظلم كبير للنفس.

 

أستمع إلى العديد من وسائل الإعلام، وأسمع المراسلين والمحللين يتساءلون عن العالم الذي يجب أن يغيث الملهوف، وعن القيم الإنسانية، وقيم حقوق الإنسان. يغلب على التساؤل الكثير من السذاجة، وربما أكثر المراسلين سذاجة هم الذين يتوجهون إلى الأنظمة العربية ويناشدونها لفك الحصار عن غزة. هذا العالم، إلا من نفر قليل، حاصر الشعب الفلسطيني منذ أن فازت حماس بانتخابات المجلس التشريعي، ومنع الأموال عن الشعب الفلسطيني، وحملت الأنظمة العربية لواء الحصار وفرضت حظرا على دخول الأموال، وبقي الموظفون أشهرا بدون رواتب. كانت تأمل الأنظمة العربية وإسرائيل والدول الغربية وكل الدول التي تأتمر بأوامرها أن يثور الناس على حماس، وينقضوا عليها، وتسقط بفعل شعبي فلسطيني يجنب أصحاب الديمقراطية الحرج المترتب على ضرب نتائج الديمقراطية مباشرة.

 

التقط العالم وأنظمة العرب أنفاسهم وهم ينتظرون نهاية الصراع العربي-الصهيوني، لكي يرتاحوا من هموم القضية الفلسطينية، وتحلوا بصبر كبير وهم يستدرجون الشعب الفلسطيني إلى التخلي عن حقوقه الوطنية والقبول بحقوق مدنية في ظل السيادة الصهيونية. لقد أنجز العالم الكثير في هذا الاتجاه، فجاءت حماس لتفسد عليه المشروع ولتعيد الأمور سنوات إلى الوراء. لقد أصيبت الأنظمة العربية بخيبة أمل، وكذلك كان الأمر بالنسبة لإسرائيل وأمريكا ومن معهما. بقي الحصار، واستمر الضغط وبتعاون من فلسطينيين عملوا على صناعة أحداث تزيد الضغط على حماس وتلهيها عن تنفيذ أي برنامج بنائي نافع. طبعا تتحمل حماس جزءا من المسؤولية من حيث أنها ترددت واكتفت فقط بردود الفعل.

 

أفرجت إسرائيل وأمريكا عن الضفة الغربية، لكن استمر الضغط على غزة لكي تركع أمام الحاجة كما ركعت الضفة الغربية. الضغط سيستمر اليوم وغدا وبعد غد. لكنهم لن يسمحوا للحصار المطبق أن يستمر لأنهم استفادوا من درس تدمير الحدود الافتراضية بين فلسطين ومصر، ولا أظنهم يريدون أن يروا التجربة تتكرر. زمن الحصار المطبق والمحكم قد ولى يوم اجتاحت جماهير غزة الحدود، لكن سيستمر شديدا عسى أن يولد انفجارا جماهيريا في وجه حماس ويسقطها. المشكلة بالنسبة للمحاصرين الآن ليس البعد الإنساني، وإنما معرفة الحد الفاصل بين الانفجار الشعبي الذي يطيح بـ'حماس'، والانفجار الشعبي الذي يطيح بالحدود. أيهما الذي سيحصل؟ إنهم لا يريدون انفجارا ضد الحدود فيفتحون قليلا، وهم يريدون انفجارا ضد 'حماس' فيغلقون كثيرا. المشكلة في حساباتهم تقع في هذا المدى القائم بين القليل المطلوب والكثير المرغوب.

 

في هذه المعادلة، لا يوجد قيم إنسانية، ولا يفكر المحاصرون بالقيم الإنسانية. إنهم يفكرون بالنتائج المترتبة، ويفكرون بالأرباح والخسائر. من الممكن أن يفكروا بالتخفيف إذا شعروا مثلا أن أضرارا ستلحق بهم بسبب نشاط وسائل الإعلام. هنا حسابات ربح وخسارة، ولا علاقة لها بأحزان أبرياء وآلام. الناس بالنسبة للمحاصرين والذين هم الأنظمة العربية وإسرائيل وأمريكا ومن لف لفهم عبارة عن أدوات؛ يستعملون آلام الناس وأحزانهم ومعاناتهم من أجل تحقيق مآرب وغايات سياسية. يجب أن يتألم الناس ويُعذبون عساهم يندفعون إلى الشارع فيمزقون إسماعيل هنية والزهار وسعيد صيام، ويلاحقون أفراد القسام ويحرقون بيوتهم ويدفعون بنسائهم وأبنائهم إلى البحر. الناس هم أدوات هؤلاء الذين يناشدهم البعض في أن يكونوا إنسانيين.

 

هناك قادة عرب يطالبون إسرائيل برفع الحصار عن غزة، ووصل الحد بالملك عبد الله ملك الأردن بأن أرسل بعض الشاحنات المحملة بالمواد الاستهلاكية. قادة العرب كاذبون، وهم يحرضون إسرائيل على تكثيف ضغطها على غزة وعلى كل الفلسطينيين. هؤلاء حكام يجلدون شعوبهم، فكيف بهم لا يجلدون الشعب الفلسطيني؟ أما الملك عبد الله فهو دائما يسارع إلى مثل هذه الحركات لأن الشارع الأردني حساس لما يجري في فلسطين، وليس لأن الشهامة العربية قد استولت عليه. لا يقوى النظام الأردني على التنكر لتاريخه، ولم يوجد هو أصلا إلا ليكون المنطقة العازلة الحامية للصهاينة وإسرائيل.

 

الصبر مؤلم، لكن فيه الخلاص. خاب من قال 'أخ' أولا، وصدق الله وعده للصابرين. ما يخوضه أهل غزة هو قتال الظلم بالتضحيات، وهو أسمى المعاني الإنسانية التي لا تقايض الكبرياء بالطعام. سيفتح الصهاينة المعابر ولو جزئيا، لكن الضغط يجب أن يُوجه إلى مصر لكي تخلع عن نفسها مذلة كامب ديفيد وتتحرر من القيود الصهيونية وتفتح الحدود. وعلى مصر ألا تخشى أهل غزة، فهم لا يعتزمون احتلالها!