سنكتب ما قالوا

نشر 17 نوفمبر 2008 | 06:56

من المثير للسخرية أن تتزامن أحداث الأسبوع الماضي فلسطينيًّا مع عرض حلقة من برنامج 'حكاية ثورة' (وثائقي على الجزيرة) تتحدث عن منظمة 'أيلول الأسود'. فبالرغم من الذي يمكن أن يقال عن عدم صوابية بعض عمليات الجماعة الثورية وخطأ توسيع مظلة الصراع مع الصهاينة لتشمل أنظمة عربية وأخرى غربية؛ إلا أن المرء لا يملك إلا أن يحترم النفس الفدائي والبطولي لدى أفراد المجموعة؛ فيرثي على إثر ذلك لحال الخلف الذين ضيَّعوا وبدَّلوا حتى ضربوا أعجب الأمثلة في التراجع والسقوط. ولن نتحدث في هذا عن تاريخ التخامد التفاوضي والتفريطي على مدى العقدين الماضيين؛ بل يكفي أن ننظر لأحداث الأسبوع المنصرم لنقع على ما لا يصدق من موبقاتٍ ارتكبها فريق التفريط الفلسطيني في ميادين السياسة والإعلام والأمن؛ فكيف كان ذلك؟

 

 

اتقوا غضبة أهل التطبيع

 

حتى في الأيام التي كان فيها محمد دحلان يقدم نفسه على أنه مناضل (أواسط ثمانينيات القرن الماضي) كان زياد أبو زياد رأس حربة التطبيع مع العدو الصهيوني. كان يؤسس صحيفةً للتواصل مع الصهاينة ويشق طريقه بخطىً حثيثةٍ نحو بطاقة 'في آي بي' ثقيلة ويناقش مع الغاصبين احتياجاتهم الأمنية وحاجة الشعب الفلسطيني لأن يكون أعزل من السلاح تحت رحمة أعدائه (هذا هو مضمون عمل اللجنة التفاوضية  التي انخرط فيها على أية حال) ومع ذلك فإن رجلاً بكل هذه المواصفات التطبيعية المقبلة على الكيان والتفاهم معه لم يحتمل صورة الجهاز الأمني الفلسطيني كما أظهره ضباطه وقادته على البرنامج الذي بثته القناة الصهيونية العاشرة. كان محتوى البرنامج قميئًا لدرجة أحوجت الدبلوماسي الهادئ أن يقول أنه لو انعقدت انتخابات ما ساعة البث فإنه كان سيقترع لحماس! وحسنًا فعل أبو زياد حين نسب التصريح لزوجته وخفف 'اجتماعيًّا' من ثقل الموضوع على حزب المقاطعة ورموزه؛ فأراحنا من تحريش قريحة جنرال هيئة مكافحة صحوة الضمير الفتحوي؛ والذي سبق له أن وضع سماعة خط التنسيق الأمني الساخن مع 'شلومو' ورفع القلم ليكتب ضد النائب عيسى قراقع موبِّخًا إياه على العوارض الوطنية التي ألمت به! (أو ربما أراد الجنرال المعزول أن يكتب هذه المرة أيضًا؛ لكن مشاغله في عمله الجديد في أكاديمية 'سعد حداد' حالت بينه وبين هذا الأمر الجليل؛ فالحمد لله على نجاة الأدب الصحافي من 'خبطتين' في الرأس في هذا الحيز الزماني القصير)

 

 

لكن ما الذي أغضب المفاوض يا ترى؟ باختصار كان البرنامج التسجيلي دليلاً على أن مصطلح 'اللحديين' - المستعمل  من قبل حماس وأنصارها في وصف قوات المقاطعة - هذا المصطلح قد تحول إلى صفة مديح لهذه الأجهزة. فقوات لحد - على علاتها - كانت تحافظ على الزعم بالحرص على لبنان واستقلاله؛ أما جنود 'دايتون' فأبدوا الاستعداد لأن يقتلوا إخوانهم وآباءهم المقاومين إن صدرت لهم الأوامر بذلك؛ وبينوا كيف أن مواجهة الصهاينة أمرٌ دونه خرط القتاد؛ وأنهم حتى لو سقط صهيونيٌّ ما في أيديهم سهوًا فإنهم سيعيدونه سالمًا غانمًا - هذا بعد أن يشرب فنجان القهوة التركية كما أفاض كبير الضباط بالشرح - لأن قوات المقاطعة لا تبحث عن توائم لشاليط؛ وحماس فقط - كما قالوا هم حرفيًّا - هي التي تأسر الصهاينة. وعبر القوم عن تلك الحقيقة من جهة 'تذنيب' حماس وتأنيبها لقيامها بفعل مشين هو استهداف 'الإخوة' الصهاينة! باختصارٍ أكبر: لو أن حماس أنفقت كنوز الأرض لتصنع دعاية تظهر حقيقة انحراف أجهزة أمن المقاطعة وضلال السلطة المناوئة لها؛ لما استطاعت أن تنجز ولا عشر معشار الصورة الكريهة التي رسمتها فتح لنفسها من خلال العقيدة اللاوطنية للأجهزة الساهرة على تطبيق خارطة الطريق.

 

 

الجنازة حارة والميت كلب

 

ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ فإن ختام الوقفة الأولى عند تطبيق خارطة الطريق يُذَكِّر بحديث 'أنابوليس' و'العملية السلمية' و'الدولة  الفلسطينية قبل نهاية العام'  وما إلى ذلك من 'الهلس'. وقد حاول القوم ستر حقيقة الخيبة الثقيلة المتمثلة في أن الجبل تمخض فولد فأرًا؛ وأن السفرات والروحات والغدوات لم تسفر عن شيء؛ فعقدوا اجتماعًا رقيع المستوى - نعم رقيع للغاية - وتحدثوا فيه عن أهمية استمرار المفاوضات 'السرية' وأهمية أن تستمر الإدارة الأمريكية الجديدة في رعاية المفاوضات من نقطة توقفها حيث هي الآن. وبالغ القوم في التشديد على أهمية ذلك ليوحوا أن في الأمر أمرًا؛ ويستروا حقيقة أن اللقاء لم يزد على أن يكون مجرد اجتماع 'هاند أوفر' ولملمة للملف التفاوضي كما هو؛ ليجري استئناف العبث اللانهائي فيه لاحقًا؛ وذلك حين يتيسر للعهد الجديد الالتفات للشرق الأوسط من بين كل ملفات الأزمات المالية والسياسية والعسكرية التي ستلهي إمبراطورية 'أوباما لاند' عن وكلائها الصغار ومشاكلهم.  وبدلاً من الإقرار بالفشل الذريع والتصرف بمسؤولية حيال عدم تحقق ما وُعِدُوا به وَوَعَدُوا به شعبهم فقد أثنى كل من عباس وفياض على الرباعية وشكروا الراعي الأمريكي الذي 'ساعدنا في الوصول إلى ما نحن فيه الآن'؟! (هذا ولا زلت من حينه أسعى لأن أسبر أغوار الهناءة التي 'نحن فيها الآن' لكنني عبثًا أحاول) ومقابل هذه الصورة الكريمة التي لا تدقق ولا تشدد في الحساب على الأمريكان (عملاً بالقول المحبب 'ما بين المفسدين حساب') فإن سيادة الرئيس - وفور أن سئل في المؤتمر الصحافي عن الحوار مع حماس - استرد على سحنته ما أعطاه الله من 'كشرة' منفرة وعبوس (كيف لا وهو عَبَّاس) وتحدث كرجل يعرف أن لكل مفاوضاتٍ وحوارٍ هدفًا (على عكس صورة الخَرَقْ والذُّهول في المباحثات برعاية 'كوندي') وحدد هدف الحوار مع حماس بأنه يجب أن يأتي بحكومة تلتزم بشروط الرباعية وتلتزم بإجراء انتخابات مبكرة - ضمن واقع أمني في الضفة لا يدع مجالاً للشك في نتائج أية انتخابات - أي حدد هدف الحوار بالقضاء على وجود حماس!

 

 

فهل تلام حماس في الصدود عن هكذا حوار؟ أي حوارٍ هذا الذي تحدد أهدافه سلفًا بذبح حماس؟ وأي حوارٍ هذا الذي يراد له أن يدور فيما أساتذة جامعات وطلاب وصحافيون وأعضاء مجالس بلدية يعتقلون ويضربون ويسامون سوء العذاب؛ ويكذب الرئيس وينكر أن تكون كل هذه الآهات والعذابات صادرة عن بشرٍ من لحمٍ ودم. وطبعًا يجد هذا النهج المريض من يدافع عنه من كوادر الإعلام المتأمرك والمتصهين؛ وأحد هؤلاء - أستاذ في الجامعة الأمريكية في القاهرة وعضو في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم 'للأبد'- يقول من على شاشة الجزيرة أن ما أثارته حماس من موانع ضد بدأ الحوار هو مسائل 'هايفة'! ولا عجب بطبيعة الحال؛ فالدكتور المتعلم المثقف يسبح بحمد نظامٍ يشق ريقه كل موسمٍ سياسيٍّ بمئات المعتقلين؛ ويستقل في سجونه ثلاثين ألف لحية؛ ويعتقد أن نَحْرَ مواطنٍ واحدٍ في الأسبوع في مخفر من مخافر الشرطة - هذا حتى دون أن يصل للسجن أو المعتقل - مسألة تافهة لا تستحق التوقف؛ وهي مجرد ذريعة للتدخل 'في شؤوننا الداخلية'! 

 

 

الكلمة الجبانة في خدمة السلاح الجبان

 

وإذا كان اعتقال المقاومين واستهدافهم - كما حصل في الخليل مساء الأمس - هو ديدن 'صحوجية' دايتون؛ فإن لهؤلاء ذراعًا إعلامية تكمل الدور الباهت للتيار العميل. أحد هؤلاء رضي لقناة إخبارية عربية عالمية أن تنزل إلى مصاف قنوات 'استقبل فخامة الرئيس'؛ وذلك حين عزى مواجهات الخليل - بين الأهالي المدافعين عن المطارد من كتائب القسام وجلاوزة محمود عباس - إلى 'حادث سير'. وهكذا قبلت القناة العريقة التي يدهشنا إبداعها بنفس الدرجة التي 'يقرفنا' فيها أداء مكتبها في فلسطين - قبلت مضطرة أن تنقل رواية مراسلها في الخليل على علاتها؛ وكان واضحًا أن معدي نشرة الأخبار حاولوا اختراق الكلس والصدأ الذي غلف رواية المراسل لكن هذا لم ينفع إزاء تمسك المراسل بروايته البلاستيكية. ويجب طبعًا أن نضع في عين الاعتبار احتمال أن يكون المراسل خاليَ البال من التزوير العمد؛ لكنه فقط يختار السلامة وعدم التعرض للضرب على يد جلاوزة قطعان دايتون؛ ويفضل أن لا تبث صورته وهو ينشج باكيًا على الهواء مباشرة كما حصل في مرة سابقة حين وقف يصور إحدى فَجَرَات الأجهزة وناله من 'الحب جانب'! لكن أيضًا يجب أن نُبْقِيَ الاحتمال قائمًا في أن يكون سكوت الإعلامي الهمام على الرواية الكذب منسجمًا مع القاعدة الذهبية التي تخبرنا أنَّ 'ضرب الحبيب زبيب وحجارته قطين' كما يعرف المراسل الفتحويُّ الهوى جيِّدًا جدًّا!

 

 

ولدينا مزيد

 

للأسف قصة الإعلام المتواطئ مع المنهج اللاوطني طويلة جدًّا. فهناك مثلاً جريدة 'فلسطينية' - كما يقال - تنشر إعلانات 'للبحث عن المفقودين من جيش الدفاع أثناء معارك لبنان'؛ وتنشر أيضًا إعلاناتٍ لمرشحي انتخابات بلدية القدس المحتلة التي ينظمها الصهاينة (في هبوط جديد لسقف فريق الحل السلمي الهابط أصلاً). والأنكى والأَمَرُّ أن هذه الصحيفة تصدر بكل هذا الطغام والرغام دون أن تعنون صفحتها الأولى بعبارة 'الرجاء عدم البصق'؟

 

 

 

لكن إن كنت أيها القاريء تعتقد أنهم بذلك قد بلغوا نهاية الأرب في السقوط فأنت واهم؛ فهناك موقع على الانترنت يديره أحد غربان المفاوضات 'السابقين' – ومع الاعتذار من غراب الحَيْن والبَيْن والحدأة وكل ذوات الأنياب والمخالب - وينشر فيه بيانًا يناشد 'الأونروا' في غزة فصل المعلمين من عناصر كتائب القسام بحجة أنهم يشكلون خطرًا على التلاميذ بسبب انتهاجهم 'العنف'؟! فهل تصدقون أن هناك في الحياة من رصيده في المروءة مكشوف كل هذا القدر؟!

 

 

إنَّ من المؤرِّقِ حقًّا متابعة كل هذا التلوث السمعي والبصري؛ لكننا سنظل نرصد صنيع أحفاد يعقوب المصري. وسنكتب ما قالوا وسنسجل كل ما فعلوا؛ وسنحتفظ بالكتاب الأسود ليوم معلوم نعتقد أن ميقاته - بخلاف ما يُأَمِّلُ المُسْقَطُونَ به أنفسهم- لن يتأخر كثيرًا. وحين يأتي ذلك اليوم سوف نشهر الكتاب في وجه كل من يريدون تزييف وعينا وذاكرتنا عن شجرة خبيثة مجتثة ما لها من قرار؛ ويبحثون لها من قبرها عن دور لا تستحقه!