نفى الرئيس الفلسطيني محمود عباس وجود معتقلين سياسيين لدى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، على اعتبار أن الموجودين في السجون، وعددهم يتراوح بين أسبوع وآخر (بينهم نساء)، ولا يقل في الغالب عن 300 (لم يتحدث الرجل عن أرقام)، هم معتقلون أمنيون، وربما جنائيون، وأقله عليهم مخالفات ضد القانون، بحسب أجهزة الأمن.
لا حاجة هنا لاستعادة تصريحات كبار المسئولين الأمنيين، ولا مؤسسات حقوق الإنسان، ولا بعض النواب من الفصائل الأخرى؛ لأن الجميع يدرك أن المعتقلين الموجودين حالياً، إلى جانب المئات الذين سبقوهم، وبات بعضهم في المعتقلات الإسرائيلية، لم يخالفوا القانون، اللهم إلا إذا كان القانون المَعْنِيّ هو قانون 'دايتون' الذي يحرّم مجرد التفكير في المقاومة المسلحة، فضلًا عن دعم بعض أنشطتها، أو كفالة مَنْ سبق أن تورطوا فيها من أسرى وشهداء.
أما الذين تَوَرَّطُوا في العمل العسكري بالفعل، فلا يُتْرَكُون للسلطة، إذ يتكفل بهم الإسرائيليون، وفي حال سبقت إليهم السلطة، فإن محطتهم التالية بعد الإفراج هي السجن الإسرائيلي!
في قطاع غزة كان ثمة 17 معتقلاً من حركة فتح. وفي حين قلنا غير مرة: إن اعتقالهم، وأي أحد آخر من الأساس كان خطأً ينبغي تجنبه، فقد بادرت الحكومة المقالة (بحسب التعبير البائس إياه!) إلى إطلاق سراحهم، بهدف توفير أجواء إيجابية لحوار القاهرة، وبالطبع على أمل أن تبادر حكومة رام الله (الشرعية)، بحسب أولئك، إلى الإفراج عن المعتقلين لديها، الأمر الذي لم يحدث، بل شُفِعَ بالتصريح المُشَارِ إليه مَطْلِعَ المقال!
من الصعب القول: إن موقف حماس الأخير من حوار القاهرة، يعود- فقط- إلى رفض السلطة الإفراج عن المعتقلين لديها، لكنّ الأكيد أنه ساهم في اتخاذ القرار، بخاصةٍ أن فرع حماس في الضفة لم يتوقف عن الشكوى من قسوة الإجراءات المتخذة بحق عناصره ومؤسساته.
والحال أنه ما من شيء يُمْكِنُه وقف الإجراءات التي تُتَّخَذُ في الضفة الغربية بحق حماس وعناصرها ومؤسساتها، بدليل قيام الحركة ما بين عامي 97 و2000 بوقف العمليات الاستشهادية، وحَصْرِ العمل المُسَلَّح في عمليات (إطلاق رصاص على جنود العدو داخل الأراضي المحتلة عام 67) كانت تُعْلَنُ باسم كتائب عمر المختار، وبالطبع لِتَجَنُّبِ الصدام مع السلطة، لكن ذلك لم يكن كافيًا؛ كي توقف السلطة إجراءاتها بحق الحركة، لا في غزة، ولا في الضفة، وهو ما ينطبق على الحالة الجديدة.
ما يجري في الضفة هذه الأيام لا صِلَةَ له بحكاية الحيلولة دون تَكْرَار ما جرى في القطاع، ومَنْ يديرونه يُدْرِكون استحالة ذلك، حتى لو تَوَفَّرَ قرار سياسي يصعب اتخاذه في ظل سيطرة الإسرائيليين على الضفة، وملاحقتهم اليومية لأية خلايا عسكرية يمكنها التفكير بمقاومة الاحتلال.
ما يجري إذن هو مُطَارَدَةٌ لخصم سياسي له خطابه وبرنامجه المختلف، وهو تفكيك لبناه التنظيمية، حتى لا يغدو قادراً على لملمة وضعه، بدليل أنّ أكثر المعتقلين يُفْرَجُ عنهم في غضون شهور أو أسابيع، ومَنْ يلتزم بيته منهم يُمْكِن تركه (في حال لم يعتقله الإسرائيليون)، أما من يعاود النشاط، فالسجن بانتظاره من جديد، وقد ينتقل بعد ذلك لسجن الإسرائيلي كمعتقل إداري، ما دامت التهمة بحقه غيرَ متوفرة.
كل ذلك وسواه يؤكد أنْ لا هدف للحوار الذي يجري الإعداد له سوى استعادة مسار أوسلو القديم، أو مسار دايتون وخريطة الطريق بحسب المسميات الجديدة، وبالتالي شَطْب سائر التداعيات التي ترتبت على نجاح حماس في الانتخابات.
قلنا من قبل: إن حماس لن تتمكن من مواجهة هذا البؤس إذا واصلت معالجة الملف بوصفه محاصصة على سلطة وتكريس لديمقراطية في ظل الاحتلال، مع إظهار الحرص على إبقاء الوضع في القطاع على ما هو عليه، وإذ لم يجر إبراز برنامج المقاومة بوصفه عنوان الخلاف على قيادة شعب وتحرير وطن ما زال بالكامل تحت الاحتلال، فسيواصل الطرف الآخر تزوير الحقائق، ومن ورائه حاضنة رسمية عربية تضيف إلى الخضوع للإملاءات الأميركية، كُرْهًاً عميقاً للحركات الإسلامية.