لا شك أن أمريكا هي الديمقراطية الأكبر والأقوى والأكثر غنىً وحضورًا في العالم؛ ولذلك ليس ظلمًا تقديم ما يحصل في حياتها السياسية على أنه ممثل ومعبر عن الفكر السياسي الغربي وشعاراته حين توضع على المحك. وفي حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية التي عشنا ونعيش هذه الأيام أمرٌ لافتٌ يستحق التوقف عنده؛ وهذا الأمر يتعلق بمفهوم المواطنة وتساوي أبناء الشعب الواحد في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والقومية؛ وما يقال لنا عن مركزية هذه الفكرة في الحياة السياسية الغربية.
بدأت الحكاية من حملة 'هيلاري كلينتون' للفوز بالترشح عن الحزب الديمقراطي؛ حيث ساعدت حملة المرشحة في توزيع صور للمنافس 'باراك أوباما' وهو في ثوبٍ إسلاميٍّ تقليدي يرتديه سكان المنطقة التي ينحدر منها في كينيا؛ و'من تحت لتحت' حاولت كلينتون الاستفادة من الأمر - أمر اتهام منافسها القوي بأنه مسلم . لكن بسبب تهافت التهمة فإنه يصعب على أي سياسيٍّ جاد أن يدعمها علنًا أو يعبر عن تأييده للمزاعم بكون أوباما مسلمًا بشكل صريح. ومع ذلك؛ وحين تم توجيه سؤالٍ مباشرٍ لهيلاري عن حقيقة إسلام المرشح الأسود فإنها نفت عنه صفة الإسلام بصيغة تضعيف وتحيير تساعد على إثارة الجدل أكثر منها على تأكيد النفي؛ فقالت شيئًا من نحو: 'على حد علمي أنا فهو ليس مسلمًا'!
وبعد أن تخلص أوباما من هيلاري وصار مرشحًا رسميًّا للحزب الديمقراطي؛ انتقل استغلال كذبة إسلام الرجل ليد المرشح الجمهوري 'ماكين' وأنصاره. الأقل مسؤولية والأكثر استهتارًا من جنود وعناصر حملة الجمهوريين وصفوا أوباما بكل بساطة بأنه مسلم؛ ووزعوا شعارات صمموها له وهي تظهره مقرونًا بالهلال الإسلامي واللون الأحمر الذي يرمز للشيوعيين (بالنسبة للأمريكان أو لنقل لفئة كبيرة منهم - خصوصا من ذلك النطاق الجغرافي الذي حصلت فيها الواقعة - فإن الشيوعية والاسلام وأي شيء آخر يكرهونه هو في النهاية 'صابون'؛ ويجب عدم استغراب صدور هذا المستوى الحاد من الجهل عن هؤلاء الذين يمكن لديهم جمع الشيوعية والإسلام على سطح واحد)
أما الأكثر اتزانًا من أركان حملة ماكين فقد وقفوا عند حدود تعبيرات أكثر 'مهنية'؛ فوصفوه بأنه ليس صديقًا للكيان الصهيوني وبأنه متعاطف مع المسلمين؛ وأظهروا الرجل في دعاياتهم المضادة وقد اقترنت صورته بخرائط السعودية وإيران وأفغانستان وباكستان - معاقل 'الارهاب' حسب فهم 'الكاوبوي' - وعلى خلفية موسيقى شرقية حزينة!
لكن كما كانت الحال مع هيلاري فإن ماكين لا يستطيع دعم 'التهمة الخطيرة' مباشرةً وفي العلن؛ وحين وصفت إحدى مؤيداته أوباما بأنه 'عربي' وكان هذا على مسمع من الرجل ومرأى وسائل الإعلام- أي أن الإعلام عرف أن ماكين سمع الكلام وسكوته عنه سيعني الإقرار بصحته - فإن ماكين نفى ذلك سريعًا وأكد أن خصمه هو 'رجل عائلة' ومحترم! (ولا عزاء للعرب في إقرار استعمال اسمهم كشتيمة مرادفة لنقص الاحترام والافتقاد لقيم العائلة)
هذا ما قاله خصوم أوباما فكيف كان رده يا ترى؟ هل انتفض ضد هذا التغول على حق مليونين أو ثلاثة ملايين من العرب الأمريكيين - هؤلاء هم من يعلنون عن أصولهم العربية - أو حق سبعة ملايين مسلم أمريكي في فرز رئيس منهم؟ هل تحدث عن المساواة بين كل الأمريكيين بغض النظر عن الدين والقومية؟
لم يختلف أوباما عن خصومه في اعتبار العروبة والإسلام صفاتٍ من ألوان الشتيمة والاغتيال المعنوي؛ فرد على مدى حملته الانتخابية بأن والده وإن وُلِدَ مسلمًا فإنه دُهريٌّ أو ملحد. وأكد أوباما ومسؤولو حملته وموقعه الالكتروني على الانترنت على أن المرشح الأسود ليس مسلمًا ولم يكن مسلمًا في أي يوم من الأيام ولم يصلِّ في مسجدٍ قط كما قالوا حرفيّا.
وتابع داعية التغيير وأنصاره طمأنة الأمريكيين؛ فقالوا أن الرجل لم يدرس أثناء إقامته في أندونيسيا في 'مدرسة' (تم الحاق صفة التعليم الديني والقرآني - وبالتالي 'الارهاب' حسب الفهم الأمريكي العدواني والعنصري - بمطلق لفظة 'مدرسة'؛ وهكذا صرنا بحاجة للفظة أخرى للتعبير عن المدارس 'العادية' في العالم الإسلامي والتي لا تدرس 'الإرهاب' وكل ذلك من أجل عيون جهل وحمق 'الكاوبوي')
وأكدوا أن زوج أم أوباما - من رباه - لم يكن مسلما متعصبًا (من ضمن الأدلة التي ساقوها على ذلك أنه عمل في شركة 'شِل'. نعم هذه النكتة جاءت ضمن سياق المرافعة الموضوعية لإثبات عدم تعصب الرجل وانفتاحه!) وتابعوا أن أوباما نصراني ملتزم وخضع للتعميد ويقرأ الإنجيل ويذهب للكنيسة مرة في الأسبوع كلما سنحت الظروف.
وحتى يتأكد الجمهور الأمريكي من خلو المرشح الشاب من أي من شوائب الرجعية والإرهاب فقد نفى الموقع الالكتروني لأوباما أن يكون 'محمد' هو الاسم الأوسط - اسم الوالد - للمرشح الرئاسي (طبعًا على طريقة الحقيقة الأمريكية تجاهل الموقع العتيد حقيقة أن اسمه الأوسط هو 'حسين'؛ وهو كما يبدو لي أنا على الأقل اسم ارهابي هو الآخر؟)
باختصار فإن المهاجم والضحية اتفقا معًا على أن التبرؤ من الأصول العربية والمسلمة ضروريٌّ جدًّا لمن سيشغل موقع رئاسة الأمة الأمريكية؛ ومن المحظور أن يكون لأمريكا رئيسٌ اسم أبيه 'محمد' حتى لو كان 'محمد' هذا دهريًّا ملحدًا وابنه نشأ مسيحيًّا معمَّدًا في كنيسة! لم يلتفت أي سياسي بارز أو مرشح من الحزبين إلى حق الأمريكان العرب والمسلمين في التنافس على رئاسة بلادهم. لم يقل أحدٌ شيئًا عن المساواة بين المواطنين الأمريكيين بغض النظر عن الاختلاف في الدين والقومية. حدث هذا في ردهات سياسة أكبر ديمقراطية في العالم؛ ذاتِ أكبرِ إعلامٍ في العالم؛ وأكثر تردد لكلمة 'الحرية' في أي سياق (من السياسة إلى أفلام 'هوليوود' وصولاً للمأكولات السريعة)
بالمقابل ننظر للعالم الإسلامي ونجد مصر - مركز هذا العالم - ينشغل بعض إسلامييها الأفاضل في نقاشٍ مخملي للغاية عن حق القبطي المصري في رئاسة مصر (كأن مقعد الرئاسة في مصر قابل للتداول أصلاً!). وبالرغم من وجود تيار في جماعة الاخوان المسلمين يقبل هذه الفكرة فإن الحركة ما انفكت تتعرض لإرهاب فكري - امتدادًا لإرهاب الأمن المركزي والاعتقالات ومصادرة الأموال - بخصوص حق المسيحيين في رئاسة مصر؛ ووصل الأمر حد أن يهاجمهم ويتهددهم الرائح والغادي (بمن فيهم من فتح قناة فضائية 'بفلوسه' لممارسة التوجيه الإعلامي والفكري أيضًا 'بفلوسه')
كم أتمنى على الشيوخ راشد الغنوشي وسليم العوا وكل من لف لفهم من المفكرين الأفاضل الذين شغلونا وشغلوا أنفسهم بحق أبناء الأقلية المسيحية في شغل موقع الرئاسة - كم أتمنى عليهم أن يعيدوا الأمور إلى أصولها؛ فيكفوا عن كتابة فقه اعتذاري ينسى أو يغفل عما في الإسلام من سماحة وانفتاح وموضوعية وقبول للآخر على الطريقة الاسلامية؛ ويسعى للمزايدة على الغربيين فيما انتجه فكرهم ومجتمعهم؛ وقصة أوباما خير شاهد. فلدينا في ديننا وتاريخنا السياسي ما يصلح لصناعة فقه سياسي واجتماعي معاصر يحقق السكينة والراحة لمجتمعاتنا وينصرها ويقيم دولتها ويحمي الأقليات فيها دون حاجةٍ للظهور بمظهر من يحتاج لأن يردد مفردات الفكر السياسي الغربي ويحفظها صمًّا دون تمييز؛ ويتعسف في التنكيل بالأغلبية مراعاةً لمشاعر 'الرأي العام العالمي' - الاسم الحركي للكل الغربي المستعلي على العالم - الذي لا يبدو أنه يكترث كثيرًا بحقوق الأقليات ومشاعرها حين يقرر لنفسه ويختار ويحصر حق الاختيار في الأغلبية بل في صفوة الصفوة منها. وتذكروا أن 'أوباما' خريج 'هارفرد' هو من 'عظام الرقبة' في المجتمع الامريكي وطبقته الوسطى؛ وليس أسودًا بالمعنى التقني الدارج للكلمة في أحياء المعوزين وجيوب الفقر الأمريكية؛ وهو بالطبع كما أكد عن نفسه وأكد مسؤولو حملته بريء من تهمة العروبة والاسلام والتعلق بالشرق الأوسط!
فهل من مُدَّكِر؟