في الآونة الأخيرة طفا على السطح تطوران هامان في الضفة الغربية، الأول: عقد قادة الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، العديد من المؤتمرات الصحافية التي يعلنون فيها عن ضبط خلايا مسلحة لحركة حماس، كان يستعد أفرادها لتنفيذ عمليات في قلب المدن الإسرائيلية.
والثاني: تعاظم الاعتداءات التي يشنها المستوطنون اليهود على الفلسطينيين، والتي وثقتها كاميرات التلفزيون في معظم مناطق الضفة الغربية، وبثت في جميع أرجاء العالم.. في الوقت الذي يقدم فيه القرويون الفلسطينيون مئات البلاغات يوميًا؛ حول قيام المستوطنين بمنعهم بالقوة من جني ثمار الزيتون، بعد الاعتداء عليهم ومصادرة محاصيلهم.. فضلاً عن اقتلاع الأشجار وتسميم آبار المياه، ناهيك عن السيطرة الفعلية على الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات العشوائية عليها.
والسؤال الذي يطرحه كل فلسطيني: ما هو مبررات وجود عشرات الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية التابعة لعباس وحكومة فياض؟!! هل للدفاع عن أبناء شعبهم في وجه هذا التغول الصهيوني؟؟ أم للعمل كوكلاء أمن لصالح إسرائيل ومستوطنيها؟!!
قبل أيام نشر النائب عن حركة 'فتح' عيسى قراقع؛ مقالاً ساخرًا، انتقد فيه بشدة دور هذه الأجهزة، وتسهيلها عمليات الاقتحام التي يقوم بها جيش الاحتلال في جميع مدن الضفة الغربية، فثارت ثائرة قادة هذه الأجهزة ودفعوا بعض النخب الطفيلية التي تدور في فلكهم؛ لمهاجمة قراقع والتشكيك في دوافعه، لكن أيًا من قادة هذه الأجهزة وتلك النخب؛ لم يبين للجمهور الفلسطيني كيف بالإمكان حماية أبناء الشعب الفلسطيني الذين يتعرضون للتنكيل يوميًا.
في نفس الوقت.. فإن الرئيس 'أبو مازن' يصمت صمت من في القبور؛ إزاء ما يكشف عنه الإسرائيليون من تعاظم مظاهر التنسيق الأمني بين أجهزته وقوات الاحتلال، في الحرب المشتركة ضد حركة حماس وبقية حركات المقاومة.. وإنْ كان قادة السلطة في السابق ينفون التنسيق مع الاحتلال في الحرب ضد المقاومة الفلسطينية؛؛ فإنهم في الآونة الأخيرة لم يعودوا ينفون ذلك، بل ويتنافسون في إعطاء كل المؤشرات التي تؤكد استعدادهم للذهاب بعيدًا في التنسيق مع إسرائيل.
ومما لا شك فيه أن بروتوكول اللقاء الذي جمع قادة الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة سلام فياض، وعدد من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي، والذي نشرته صحيفة 'يديعوت أحرنوت' بتاريخ 21-9-2008، يبعث على الصدمة بشكل خاص، مع أن وسائل الإعلام العربية تجنبت الإشارة إليه.. فما ورد على ألسنة قادة أجهزة السلطة في هذا اللقاء يعكس مدى الاستعداد الهائل الذي يبديه هؤلاء للتنسيق مع أعداء شعبهم ضد مقاومته. وكما ورد في بروتوكول اللقاء، فقد تنافس قادة عسكر عباس في التأكيد على مسامع الجنرالات الصهاينة؛ أن عباس عازم على استعادة غزة بالقوة، بل إنهم طالبوا الجيش الإسرائيلي بأن يساعدهم لإعداد خطة ميدانية لاستعادة غزة، وأن يدرب قواتهم. ففي خلال اللقاء وجه 'أبو الفتح' قائد قوات الأمن الوطني في الضفة الغربية؛ حديثه للجنرالات الصهاينة قائلاً 'لا يوجد بيننا أي نوع من أنواع العداء، فلدينا عدو مشترك (يقصد حماس)'.
وأضاف متزلفًا 'أنا سأفعل اليوم كل ما أستطيعه حتى أمنع العمليات ضدكم، أنتم تدركون أن ما نقوم به حاليًا ضد حماس أفضل من السابق، وأنتم تمدحون ذلك، وبفضل عملياتنا أصبحتم أقل حاجة لقواتكم'.
أما 'ماجد فراج' رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة لحكومة فياض؛ فقد كان أكثر صراحة من 'أبو الفتح'، عندما قال 'قررنا خوض الصراع ضد حماس حتى النهاية.. قررنا وضع كل مشاكلنا على الطاولة؛ كل شيء علني وظاهر، لا مزيد من الألاعيب، فحماس هي العدو المشترك لكلينا. قررنا شن حرب عليها؛ وأنا أقول لكم لن يكون أي هدنة أو حوار معها، فمن يريد أن يقتلك عليك أن تُبكر بقتله.. أنتم توصلتم إلى هدنة معها، أما نحن فلا'.
المؤسف أن قادة أجهزة السلطة الأمنية أخذوا يتباهون، أمام الضباط الصهاينة بأنهم لم يعودوا يترددون في اقتحام المساجد، فقد ورد على لسان فراج قوله للصهاينة 'ذات مرة كنا نفكر ألف مرة قبل اقتحام المسجد؛ أما اليوم فنحن نقتحم أي مسجد عند الحاجة. كما أننا ندخل للجامعات، بما في ذلك الجامعة الإسلامية في الخليل. نحن نبذل قصارى جهدنا. حتى لو لم يكن النجاح 100 في المائة، فالدافعية 100 في المائة'.
لقد ملأ أبو مازن الدنيا صخبًا وهو يؤكد أنه رئيس كل الفلسطينيين، وأنه رمز الشرعية الوطنية الفلسطينية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ألا يتحرك 'رمز الشرعية' للدفاع عن أبناء شعبه، أو على الأقل يظهر لإسرائيل أنه غاضب مما تقوم به ومستوطنوها ضد مواطنيه؟!!
أي شرعية وطنية لرئيس ونظام وسلطة يسمح بالتحالف على هذا النحو السافر مع أعداء شعبه!!؟
كيف ينظر الرئيس في عيون مئات الآلاف من مواطنيه الذين يتعرضون للعدوان من قبل المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال!!؟
فمن هم أولى بالحماية القرويون الفلسطينيون الذين كل ذنبهم التمسك بأرضهم؟ أم المستوطنين الذين يدافع عنهم قادة الأجهزة الأمنية من خلال تعقب خلايا المقاومة التي تخطط لاستهدافهم؟!