مسودة اتفاق القاهرة

نشر 22 أكتوبر 2008 | 08:34

قرأت نص مسودة مشروع اتفاق فلسطيني، والمسمى بالمشروع الوطني الفلسطيني. ولدي الملاحظات التالية، والتي أشار إلى بعضها الدكتور إبراهيم حمامي:

 

أولا: يجب إعادة كاتب المسودة إلى المرحلة المدرسية الابتدائية لكي يتعلم الإملاء العربي. هناك أخطاء إملائية عديدة تعطي انطباعا غير جيد عن المستوى العلمي للكاتب، وللكتاب الذين ساعدوه. إنها من المصائب أن يتولى شأنا عظيما من هذا القبيل، وهو المصالحة بين الفلسطينيين المقتتلين، شخص أو أشخاص لا يجيدون الكتابة باللغة العربية. هنا بعض الأمثلة:

 

أ‌- تم قلب الهاء إلى تاء في كلمات عدة منها: يتجه، تتجه، ملامحه، يتطلبه، عليه، تقتضيه، نملكه. يتغير المعنى القانوني لكل كلمة بسبب هذا الخطأ الذي قد يراه كاتب المسودة بسيطا.

 

ب‌- هناك إغقال للهمزة في عدد كبير من الكلمات، علما أن الهمزة حرف عربي؛ وهناك خلط بين همزة الوصل وهمزة النبرة. كل خطأ من هذا القبيل يؤثر على المعنى القانوني والفلسفي للكلمة. هناك فرق بين أن و إن، وهناك فرق بين أعلام وإعلام. أنظر النص التالي: 'و تتضائل حججنا فى ان نفرضها على العالم و نضعة امام مسئوليته و إلتزاماته فى ظل متغيرات اقليمية و دولية نعلم جميعا طبيعتها و مقتضاياتها .' كلمة تتضاءل مكتوبة تتضائل؛ ان بدون همزة وغير معروفة فيما إذا كانت أن أو إن؛ ونضعه مكتوبة نضعة؛ همزة وإلتزام هي همزة وصل؛ إقليمية بدون همزة؛ مقتضاياتها خطأ، وهي مقتضياتها؛ هناك فراغ بين آخر كلمة وعلامة الترقيم، وهذا خطأ؛ هناك افتراض بأننا نعلم جميعا طبيعة المتغيرات، وهذا خطأ، ومن المحتمل أن الكاتب لا يعرف طبيعة هذه المتغيرات. الجملة كلها مضللة لأننا نحن لا نفرض على العالم شيئا بخاصة أنه يقدم لنا أموالا.

 

هذه أخطاء في جملة واحدة، فما بالك بكامل النص؟ هذا عيب وعار، وإن دل على شيء فإنما يدل على عدم علمية الكاتب وعدم اكتراثه، واستهتاره. في وثيقة من هذا القبيل، لا يجوز أن تكون هناك أخطاء من هذا القبيل.

 

ثانيا: تحتوي المسودة على مشاكل مفاهيمية كبيرة تدل إما على ضعف الوعي لدى الكاتب، أو على نوايا لتغيير مفاهيم تعتبر أصيلة في القضية الفلسطينية. مثلا تقول المسودة: 'و حدة الاراضى الفلسطينية جغرافيا و سياسيا و عدم القبول بتجزئتها تحت اية ظروف .' ما هي الأراضي الفلسطينية؟ غالبا أن الكاتب يقصد الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو يستعمل هذا التعبير لشطب فلسطين المحتلة/1948. وتضيف المسودة: 'الديموقراطية هى الخيار الوحيد لمبدأ تداول السلطة فى إطار احترام سيادة القانون و النظام و احترام الشرعية' ما هي الشرعية التي على الشعب الفلسطيني احترامها؟ هناك شرعية منظمة التحرير، وشرعية عباس، وشرعية المجلس التشريعي، وشرعية اتفاق أوسلو، وشرعية الرباعية، وشرعية الجهاد في سبيل الله. ما هي أقوى هذه الشرعيات؟ أنا تقديري أن شرعية أوسلو هي الأقوى، وما دامت قائمة ومحترمة فإن الشعب الفلسطيني لن يتفق.

 

هناك تعبير المصلحة الوطنية الفلسطينية، وهو تعبير خاضع لتأويلات وتفسيرات وتحليلات كثيرة. المصلحة الوطنية يجب أن تكون معرفة من أجل أن يكون للمصطلح معنى، أو يجب العمل على تعريفها قبل صياغة مسودة نحو اتفاق.

 

ورد تعبير تحقيق الأهداف الوطنية. ما هي الأهداف الوطنية الفلسطينية. نحن مختلفون عليها، ويجب تعريفها اولا حتى لا نختلف في وسط الطريق. هذا ينطبق على عنوان المسودة: المشروع الوطني الفلسطيني. ما هو هذا المشروع، ومن الذي يحدده؟

 

هل نحن نبحث عن اتفاق فلسطيني أم توافق. التوافق في العادة هش، ومن السهل التمرد عليه، أما الاتفاق فيخضع لنصوص واضحة بينة.

 

ثالثا: شرعية منظمة التحرير غير واضحة: هل هي شرعية المنظمة الموجودة حاليا، أم شرعيتها بعدما تتم إعادة بنائها؟ هذا يرتبط مع فكرة التوافق الوطني المذكورة في المسودة. منظمة التحرير القائمة حاليا لا تحظى بتوافق وطني، فهل يجب أن ننتظر حتى تقوم منظمة تحظى بهذا التوافق؟ أم أن المنظمة القائمة حاليا غير خاضعة لفكرة التوافق الوطني؟

 

رابعا: منذ متى تخضع المقاومة الفلسطينية للتوافق الوطني؟ نحن نعلم أن المقاومة حق مشروع وشرعي للشعب الفلسطيني، وطالما تحدثنا عن الشرعية التي تمنحها القوانين الدولية. ما هو المقصود بالتوافق الوطني فيما يخص هذه المسألة؟ هل يشكل اعتراض فصيل صغير لا يصل عدد أعضائه إلى خمسين على المقاومة رأيا حاسما في وقف المقاومة؟ واضح أن هذا البند عبارة عن محاولة جافة لجعل المقاومة غير شرعية.

 

خامسا: الأجهزة الأمنية: تخول المسودة مهمة الدفاع عن الوطن والمواطنين للأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد بنائها على أسس مهنية وغير فصائلية. متى سيتم هذا، وكيف؟ هل ستعمل هذه الأجهزة ضد الاحتلال الإسرائيلي؟ إذا كان الجواب نعم، فما هو الموقف الفلسطيني من اتفاق أوسلو الذي يطلب التعاون الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ طبعا لا ننسى أن سلاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية مرخص إسرائيليا، فهل يمكن أن تقف هذه الأجهزة ضد من يسمح لها باقتناء السلاح؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فإن مسودة الاتفاق تريد إلغاء اتفاق أوسلو. هناك حاجة لتوضيح هذه المسألة.

 

سادسا: تعطي المسودة الحكومة الفلسطينية مهام رفع الحصار وتسيير الحياة اليومية للشعب، والإعداد لانتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، والإشراف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية. هذه مهام متناقضة مع بند تخويل منظمة التحرير بالمفاوضات. الأجهزة الأمنية هي وليدة اتفاقات أمنية ولّدتها المفاوضات، فهل ستسمح إسرائيل والغرب للحكومة بإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية؟ ألن تعترض منظمة التحرير على إعادة الترتيب هذا حتى لا تعرقل الحكومة سير العملية التفاوضية؟

 

سابعا: التأريخ الموجود في الوثيقة هو تأريخ لاتيني على حساب التأريخ السورياني. مايو هو أيار، وفبراير هو شباط. أجدادنا تعبوا على صياغة أسماء الأشهر وعلينا المحافظة على الأصالة.

 

ثامنا: لا تجيب الوثيقة عن سؤال هام: كيف يمكن للشعب الفلسطيني أن يتفق ويقرر بحرية إذا كانت الدول المانحة التي تتحكم بقراراتها المالية أمريكا وإسرائيل هي التي تدفع الرواتب للموظفين؟ الشعب الآن أسير في قفص الرواتب، فما هو المخرج؟ كيف يمكن لصاحب يد سفلى تستعطي من العدو أن يكون صاحب قرار؟

 

باختصار: لا يبدو أن كاتب هذه المسودة يبحث عن توافق فلسطيني، وإنما يبحث عن زيادة الخلافات، وإحداث المزيد من التوتر الداخلي الفلسطيني. في اتفاقي القاهرة ومكة، كان هناك توثيق للخلافات الفلسطينية، وبالتالي لم يخرج الاتفاقان بحل يدوم؛ أما في هذه المسودة فمعاداة الشعب الفلسطيني واضحة. هناك قلب للمفاهيم، وتلاعب في الألفاظ من أجل زيادة الاجتهادات اللفظية على الساحة الفلسطينية والإبقاء على الشعب الفلسطيني مشغولا بخلافاته الداخلية تاركا القضية الفلسطينية وراء ظهره.

 

لا أرى أن هناك ضرورة للارتحال إلى القاهرة لنبحث عن حلول لمشاكلنا لأنه من الواضح أن أنظمة العرب لا تملك قدرة بسبب تبعيتها السياسية. هناك أمكنة كثيرة في فلسطين بإمكانها أن تضم اجتماعاتنا.