صالح النعامي

نشر 19 أكتوبر 2008 | 07:58

فجأة.. ودون مقدمات شَرع قادةُ إسرائيل في التراجع عن التهديدات التي أطلقوها خلال الأشهر الماضية بضرب المنشآت الذرية الإيرانية. فرئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل 'إيهود أولمرت' ـ الذي كثيرًا ما وعد الإسرائيليين بعدم تمكين إيران من إنتاج سلاح نووي 'بكل الوسائل' ـ شدد في المقابلات التي أجريت معه مؤخرًا؛ على أنه ليس لدى تل أبيب مخططات لمهاجمة إيران. ولكي يسوغ التوجه الإسرائيلي قال 'أولمرت' ـ مشيرًا إلى صعوبة ضرب إيران ـ 'ما يمكننا أن نفعله ضد الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، لا يمكننا أن نفعله ضد الإيرانيين'.

 

كما أوحت وزيرة الخارجية 'تسيفي ليفني' رئيسة الوزراء المقبلة؛ بأن تل أبيب 'ستعيش مع القنبلة الإيرانية النووية'. أما وزير الداخلية 'مئير شطريت'، المكلف بالإشراف على الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، فقد كان أكثر حزمًا عندما قال: 'يحظر على إسرائيل مهاجمة إيران بأي حال، أو حتى التفكير في ذلك'. وحتى الوزير 'شاؤول موفاز'، الذي كان يخرج عن طوره، وهو يؤكد أن إسرائيل لن تتردد في مهاجمة إيران، من أجل منعها من تطوير برنامجها النووي، بدا مؤخرًا أكثر اعتدالاً في تصريحاته تجاه إيران.

 

لأول وهلة.. يبدو وكأن هناك أسباب تدعو إسرائيل إلى تغيير الاتجاه وعدم التفكير في ضرب إيران، مثل الحديث عن معارضة أمريكية للهجوم على إيران؛ خشية أن يقود إلى جرِّ واشنطن إلى صراع في أكثر أوقاتها شدة وحرجًا، إلى جانب التشكيك في جدوى الهجوم الإسرائيلي؛ على اعتبار أن أي ضربة للمنشآت الذرية الإيرانية؛ ستعمل في أحسن الأحوال، على تأجيل تطوير هذا البرنامج فقط، فضلاً عن تداعياتها السلبية على إسرائيل.

 

لكن في المقابل.. هناك مؤشرات تدلل ـ فقط ـ على أن قادة إسرائيل من خلال هذه التصريحات يهدفون إلى تضليل إيران؛ لدفعها إلى عدم اتخاذ إجراءات الحيطة والحذر. ونحن هنا سنشير إلى مظاهر تدفع للاعتقاد بأن إسرائيل تحديدًا تتجه إلى ضرب إيران، وفي مدى لا يتجاوز الثلاثة أشهر:

 

أولاً: الاستعدادات لضرب إيران، باتت عمليًا تؤثر بشكل واضح على الاتصالات التي تجريها 'ليفني' لتشكيل حكومتها القادمة. وأحد المؤشرات القوية على ذلك؛ هو إصرار زعيم حزب العمل ووزير الحرب الإسرائيلي 'إيهود براك'، على الربط بين موافقة حزبه على الانضمام لحكومة ليفني، بموافقتها على تقديمها تعهد بعدم حل الحكومة بعد ثلاثة أشهر من تشكيلها. فـ 'براك' الذي لديه كل المعلومات المتعلقة بتوجهات إسرائيل تجاه إيران، يخشى أن تقوم 'ليفني' بحل الحكومة بعيد قيام سلاح الجو الإسرائيلي بمهاجمة منشآت نووية ونفطية إيرانية، وتدعو لتنظيم انتخابات جديدة، لإدراكها أنها ستحقق فوزًا كاسحًا بسبب ارتفاع أسهمها المتوقع بعد هذه العملية. وهناك مؤشرات على أن 'ليفني' تحديدًا متحمسة لضرب إيران، لكي يشكل ذلك ردًا على الذين يشككون في قدراتها القيادية، تحديدًا لكونها امرأة، ولتحملها جزءًا من المسؤولية عن الفشل في حرب لبنان الثانية، ناهيك عن رغبتها في خوض الانتخابات كقائدة تاريخية.

 

في نفس الوقت.. فإن إصرار 'براك' على منحه حق النقض (الفيتو) على أي قرار تتخذه 'ليفني' في الحكومة القادمة، يأتي لرغبته في أن يدرك الجمهور الإسرائيلي، أن أي قرار تتخذه 'ليفني' بشأن إيران له دور حاسم ومطلق في اتخاذه.

 

ثانيًا: التوقف عن عقد جلسات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لشؤون الأمن، وهي الهيئة التي يناقش في إطارها كبار الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية ـ عادة ـ كل ما يتعلق بمخططات تل أبيب تجاه المشروع النووي الإيراني.

 

هناك أكثر من معلق صحافي، ومعلق إسرائيلي، قد أكدوا أن التوقف عن عقد اجتماعات هذه الهيئة؛ يأتي لمنع تسرب المعلومات المتعلقة بنوايا إسرائيل الحقيقية تجاه إيران، مع العلم أن هذه الهيئة تضم 12 وزيرًا، وتتم مناقشة المشروع الإيراني حاليًا ضمن إطار 'المطبخ السياسي'، الذي يضم فقط رئيس الوزراء ووزيري الخارجية والحرب.

 

ثالثا: تراجع فرص أن تقوم الإدارة الأمريكية المقبلة بإصدار الأوامر للجيش الأمريكي بمهاجمة المنشآت الإيرانية. ففي حال فاز المرشح الديمقراطي في الانتخابات القادمة، كما تتوقع استطلاعات الرأي العام، فإن هذا يقلص إلى حد كبير إمكانية التدخل العسكري الأمريكي لضرب المشروع الأمريكي.

 

من ناحية ثانية.. فإنه حتى لو فاز المرشح الجمهوري 'جون ماكين' المتحمس للقضاء على المشروع النووي الإيراني، فإن هناك شكوك كبيرة إن كان ـ في ظل هذه الظروف ـ سيظل مستعدًا لضرب إيران كما تريد تل أبيب، وذلك بفعل الأزمة المالية الخانقة، وبفعل الضغوط التي يمارسها قادة الجيش الأمريكي؛ الذين يرون أن أي هجوم على إيران سيهدد التواجد الأمريكي في العراق، فضلاً عن بروز المعضلة الأمريكية في أفغانستان بكل قوة.

 

رابعًا: تهاوي آمال إسرائيل في دفع المجتمع الدولي؛ لتمرير قرار في مجلس الأمن يشرع فرض عقوبات صارمة وجدية على إيران. وقد تكرس يأس إسرائيل من ذلك في أعقاب الأزمة الجورجية الروسية الأخيرة، حيث بات في حكم المؤكد أن روسيا لن تسمح بتمرير مثل هذا القرار.

 

من هنا.. فإنه من الأهمية الإشارة إلى ما يشدد عليه عدد كبير من المعلقين الإسرائيليين؛ بأنه في كل ما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني، فإن هناك الكثير من المؤشرات التي تؤكد أن إسرائيل معنية بمحاولة توجيه ضربة عسكرية له؛ في الفترة الممتدة بين إجراء الانتخابات الأمريكية، وتسلم الرئيس الجديد مقاليد الأمور في البيت الأبيض، وتحديدًا بين 5 نوفمبر، وحتى 20 ديسمبر المقبل، وذلك اعتمادًا على تفاهم مع إدارة الرئيس بوش، على اعتبار أن بوش لن يتضرر من هذه الضربة، التي تأتي بعد تحديد هوية الرئيس الجديد للولايات المتحدة، وقبل أن يباشر عمليًا مهام منصبه.