موقف جريء في هذا الزمان الرديء

نشر 15 سبتمبر 2008 | 12:48

مر حدث استقالة السيد باسم بشناق من إدارة الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان في قطاع غزة مروراً عابراً دون أن ينال ما يستحق من الاهتمام الكافي في هذا الزمن الذي طغى فيه الغث على السمين، لاسيما أن الاستقالة لم تكن أصلاً حدثاً عابراً، وإنما وراء الأكمة ما وراءها، حيث تجلت الأمور أكثر حين اختل أداء المؤسسة وانحرف عن مساره الطبيعي منساقاً لخدمة أجندة حزبية لا ترى في الوطن سوى راتب آخر الشهر.

إن السيد باسم يستحق كل تقدير واحترام لأنه سجل في صحائف أعماله موقفاً مشرفاً حين انحاز للقيم والمبادئ التي لطالما آمن بها ودعا لها من خلال عمله كمدير للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، حيث فضل فراق المؤسسة رغم ما توفره له من امتيازات وراتب يجعله في مستوى طيب من العيش على أن يخون المبادئ والمثل والقيم التي آمن بها، وعلى أن يفرغ المؤسسة من مضمونها الحقيقي كونها وصية ومؤتمنة على حماية حقوق المواطن بغض النظر عن انتمائه الحزبي وفكره السياسي.

وازداد تألق السيد باسم بشناق حين نجح في اختبار رسب فيه كثير كثير، كان من بينهم للأسف من كنا نحسبهم نخبة المجتمع وصفوته من المعلمين والأطباء وغيرهم ممن ارتضوا أن يمكثوا في بيوتهم خشية انقطاع رواتبهم مع أن الحكومة أمنتهم عليها، مفضلين مصالحهم الشخصية الضيقة على مستقبل الأجيال وعلى صحة وأرواح الناس.

كان بإمكان السيد باسم أن يستمر في عمله كمدير للمؤسسة بما يترتب على ذلك من مزايا وحقوق، وأن يستجيب للضغوط بحرف بوصلة عمل المؤسسة الحقوقية المستقلة، والذريعة متوفرة 'الحفاظ على لقمة العيش'، كان بإمكانه أن يفعل كما فعل غيره من 'ملائكة الرحمة' ومن كادوا أن يكونوا رسل هذا الزمان، لكنه لم يكن كذلك البتة، كان صنفاً آخر من البشر، ليقيم بذلك الحجة على الجميع بأنه بالإمكان أن نقول لا لكل ما يخالف مبادئنا ويدعونا لخيانة الأمانة التي نحملها تجاه المجتمع وأفراده.

يستحق السيد باسم بشناق أن ينال جائزة تقديرية من الحكومة أولاً ومن مؤسسات المجتمع المدني ثانياً؛ لأنه انتصر بصنيعه للقيم والمبادئ ورفض الانصياع للابتزاز بقوته وقوت عياله، موجهاً بذلك لطمة إلى المتاجرين بحاجات الناس وآلامهم والعابثين بمستقبل الأجيال خدمة لمصالح فئوية ضيقة، وإزاء ذلك فإنه حري بمؤسسات حقوق الإنسان العاملة في غزة أن تتضامن معه بالطريقة المناسبة والانتصار له.  

وبدون أدنى عناء يستطيع كل متابع أن يدرك الفرق بين أداء الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان حين قادها السيد باسم بشناق وأدائها حين قادها خلفه، حيث خلعت رداء التوازن والحيادية والموضوعية وارتدت ثوباً آخر، مضحية بذلك بالمصداقية التي تمثل رأس مالها كمؤسسة حقوقية تنادي بالمبادئ والحقوق.

إن المطلوب من وسائل الإعلام الداعمة لسيادة القيم والأخلاق أن تركز على مثل هذا النموذج الطيب والإيجابي في المجتمع الفلسطيني، وأن تسعى لإبرازه كمثال حقيقي لترجمة القناعات والمبادئ إلى سلوك وفعل يعارض الإغراءات ويتجاوز التحديات، مقابل النماذج المحبطة التي صمت آذانها عن صرخات المرضى في المستشفيات والمراكز الصحية وأغلقت عيونها عن رؤية جيل كامل يضيع لقاء دراهم معدودة.

آمل أن تكون هذه الكلمات تفي السيد باسم بشناق شيئاً ولو يسيراً من حقه، فقد كان رجلاً في زمن عز فيه الرجال، وأكد من جديد أن الدنيا ما تزال بخير، وأن فيها بقية من أصحاب المبادئ والأحرار الذين شبوا على طوق الامتيازات والرواتب وما إلى ذلك من متاع الغرور.